بقلم: د.علي بن عالي السعدوني
تستحق لغة الخطاب عند معالي الدكتور عبداللطيف آل الشيخ قراءة تتجاوز ظاهر الألفاظ إلى ما تصنعه الكلمات من معانٍ ومواقف، فهو لا يكتفي بتقديم الفكرة في صورتها المباشرة، وإنما يمنحها قدرًا من القوة اللفظية والوضوح الدلالي يجعل المتلقي أمام خطاب شديد الصراحة في تحديد المواقف ورسم الحدود بين القيم المتعارضة، وتظهر خصوصية هذه اللغة في قدرتها على الجمع بين المرجعية الدينية والموقف الوطني والتعبير السياسي، حتى تصبح الكلمة جزءًا من صناعة القناعة وليست مجرد وسيلة لنقلها، وتتحول العبارة من تركيب لغوي يؤدي معنى محددًا إلى صورة ذهنية تستقر في وجدان المتلقي وتوجه نظرته إلى القضية التي يتناولها الخطاب.
وأول ما يستوقف القارئ في لغة الدكتور عبداللطيف آل الشيخ تلك النزعة إلى تقرير المعنى دون إغراقه في الاحتمالات، فهو يميل إلى الألفاظ الواضحة التي لا تترك مسافة واسعة بين المقصود وما يفهمه المتلقي، ويبتعد في خطاب المواجهة عن التراكيب التي تحتمل التأويلات المتعددة، وهذه سمة تمنح كلامه قوة في الحضور وسرعة في الوصول، لأن اللغة التقريرية بطبيعتها تنقل المتلقي إلى النتيجة مباشرة، غير أن ما يميزها في هذا السياق أنها لا تأتي خالية من التصوير، وإنما تستعين بالمجاز والاستعارة والمقابلة لتمنح الحكم المباشر قوة أخرى تتجاوز دلالته المعجمية، وكأن المتحدث يدرك أن وضوح الموقف وحده لا يكفي لصناعة خطاب مؤثر ما لم تصاحبه صورة تستطيع الذاكرة الاحتفاظ بها.
وعندما يستعمل عبارة (رأس العالم الإسلامي ودولة التوحيد) في وصف المملكة العربية السعودية، فإننا أمام تركيب يجمع بين الاستعارة والمرجعية العقدية في بناء واحد، فلفظة (رأس) تستدعي في الوعي اللغوي معاني القيادة والمركزية والتوجيه، وتجعل المكانة الدينية والسياسية حاضرة في صورة جسدية مألوفة يدركها الإنسان دون حاجة إلى تفسير طويل، ثم تأتي عبارة (دولة التوحيد) لتنقل المعنى من توصيف المكانة إلى تقرير الهوية، وبهذا التتابع تصبح المملكة في البناء الحجاجي للخطاب أكثر من دولة ذات حضور سياسي، إذ يقدمها المعالي من خلال صورتين متكاملتين صورة القيادة التي تتصل بالمكانة والتأثير، وصورة الرسالة التي تتصل بالعقيدة والقيم، وهذا الجمع يمنح العبارة كثافة دلالية تجعل الدفاع عن الوطن متصلًا في وجدان المتلقي بالدفاع عن المكانة الدينية التي يؤكدها الخطاب.
أما استعمال صورة (المطية) في وصف جماعة الحوثي فيكشف عن مستوى آخر من مستويات التأثير البلاغي، فهذه اللفظة لا تكتفي بتوجيه اتهام سياسي بالتبعية، وإنما تبني تصورًا كاملًا عن العلاقة بين من يتحرك ومن يوجه حركته؛ لأن المطية في أصل الاستعمال وسيلة يمتطيها غيرها لتحقيق غاية لا تملك هي تحديدها، وبذلك تتحول الجماعة في الصورة اللغوية من فاعل مستقل إلى أداة تتحرك بإرادة خارجية وفق موقف المتحدث، وتكمن قوة الاستعارة في أنها تختصر فكرة سياسية معقدة في صورة واحدة شديدة القرب من الحس غير أن القراءة النقدية تميز بين القوة التصويرية للفظة وبين ثبوت الحكم الذي تحمله؛ لأن نجاح الاستعارة في إقناع السامع لا يغني عن الشواهد التي تثبت طبيعة العلاقات السياسية التي تتحدث عنها.
وتبلغ اللغة درجة أعمق من التصوير في المقابلة بين (البذرة الخبيثة) و(أرض اليمن الطاهرة)، وهي من الصور التي تستحق التأمل من زاوية البلاغة العربية؛ لأن المعالي لم يجعل الإدانة متعلقة بالأرض التي نشأت عليها الجماعة، وإنما فصل في بناء عبارته بين المكان وما ينسبه إلى الجماعة، فالأرض تحتفظ بصفة الطهارة، والبذرة تحمل صفة الخبث، وهذه المقابلة تصنع تمييزًا دلاليًا بين اليمن بوصفه وطنًا له تاريخه وقيمته ومكانته، وبين المشروع الحوثي الذي يدينه المتحدث، وفي هذا التفريق ملمح مهم من ملامح الخطاب؛ لأن إدانة جماعة سياسية لا تتحول لغويًا إلى إدانة للشعب أو المكان الذي تنتمي إليه، وهو اختيار يمنح الاستعارة قيمة تتجاوز تأثيرها العاطفي إلى قدرتها على ضبط الجهة المقصودة بالحكم.
ولصورة البذرة أبعاد أخرى لا تقل أهمية عن التقابل بين الخبث والطهارة، فالبذرة بطبيعتها تحمل قابلية النمو والامتداد والتكاثر، والأرض تمثل البيئة التي تستقبل هذا النمو وتكشف آثاره، وعندما ترتبط البذرة بصفة سلبية فإن الصورة تنقل المتلقي إلى تصور الخطر الذي يبدأ محدودًا ثم تتسع نتائجه، وهكذا تصبح الاستعارة بناءً متكاملًا يتصل بالنشأة والامتداد والأثر، وتظهر براعة هذا النوع من التعبير في أنه يتيح للكلمة أن تحمل معنى مباشرًا ومعنى إيحائيًا في وقت واحد دون أن يحتاج المعالي إلى استطراد طويل في شرح كل نتيجة يمكن أن تتولد عن الصورة.
ومن السمات الواضحة في هذا الخطاب غلبة المعجم القيمي على المعجم السياسي المحايد، فالألفاظ تتوزع بين حقول متقابلة تتصل بالطهارة والفساد، والاستقلال والتبعية، والمكانة والانحراف، وهي حقول دلالية لا تنقل الموقف وحده، وإنما تمنح المتلقي معيارًا أخلاقيًا لقراءته، فالخطاب لا يريد أن يصف العلاقة بين الأطراف بوصفها اختلافًا في المصالح السياسية فقط، وإنما يقدمها من خلال تصور أوسع يتصل بالقيم والهوية والمشروعية، ولهذا ترتفع فيه درجة الانفعال اللفظي ويصبح للحكم الأخلاقي حضور قوي داخل العبارة، وهي خاصية تزيد من تأثير الخطاب في الجمهور المتفق مع مقدماته، وإن كانت قد تجعل إقناع الجمهور المختلف بحاجة إلى تفصيل أوسع في الأدلة والوقائع.
ومن الناحية التركيبية يقوم الخطاب على الجمل الخبرية ذات النزعة التقريرية، وهي جمل تستمد تأثيرها من صياغة المعنى في صورة مؤكدة لا في صورة احتمال ينتظر الترجيح، وتساندها الأوصاف المباشرة والاستعارات الحادة فتجعل الإيقاع العام أقرب إلى لغة الحسم، ويمكن تفسير ذلك بطبيعة الدور الذي تؤديه هذه اللغة، فهي ليست معنية بإقامة حوار مفتوح بين احتمالات متساوية بقدر عنايتها بتثبيت موقف وإبراز مبرراته، ويتصل بهذا الجانب حضور الثنائية في بناء المعاني، إذ تقف صورة في مواجهة أخرى، وصفة في مواجهة نقيضها، وقيمة في مواجهة ما يناقضها، وهذه الطريقة تختصر المسافة بين الفكرة وأثرها، وتجعل الجمهور قادرًا على تذكر الموقف من خلال مفردات قليلة تحمل شحنة معنوية كبيرة.
غير أن قوة الخطاب تستدعي التمييز بين مستويين لا يصح الخلط بينهما مستوى البلاغة الذي يتعلق بحسن اختيار الكلمات وقوة الصورة وترابط المعاني، ومستوى الحجاج الذي يتعلق بصحة المقدمات وكفاية الأدلة وقدرتها على حمل النتائج، فقد تكون العبارة شديدة التأثير من الناحية النفسية دون أن تكون مكتملة البرهان من الناحية العقلية، وقد تبلغ الاستعارة درجة عالية من الإحكام الفني دون أن تصبح بذاتها دليلًا على صحة الحكم السياسي الذي تؤديه، وهذه المسافة بين جمال الصياغة وقوة الاستدلال هي التي تمنح النقد البلاغي قيمته العلمية؛ لأنه لا يكتفي بالإعجاب بصلابة الألفاظ ولا يقف عند الاعتراض على حدتها، وإنما يبحث في علاقة التعبير بالمعنى وفي مقدار ما يضيفه التصوير إلى الحجة أو يحجبه من تفاصيلها.
ويكشف الخطاب كذلك عن حضور المتكلم بوصفه صاحب سلطة رمزية تستمد جانبًا من تأثيرها من موقعه الديني والمؤسسي، ولذلك لا تُستقبل عباراته على أنها كلمات فردية معزولة عن مقام صاحبها، فالمتلقي يربط بين اللغة ومكانة من يستعملها، وكلما ارتفعت المكانة ازدادت مسؤولية الاختيار اللفظي؛ لأن الكلمة الصادرة عن شخصية عامة لا تقاس بنتيجتها الآنية فقط، وإنما بما تتركه من تصورات وما تمنحه من شرعية للمواقف والأحكام، ويصبح من المهم أن تحافظ اللغة على وضوحها دون أن تفقد دقتها، وأن تجمع بين الحزم في التعبير والانضباط في تحديد المقصود، ولا سيما في القضايا التي تتشابك فيها الاعتبارات الدينية والسياسية والإنسانية.
إن قراءة لغة الدكتور عبداللطيف آل الشيخ تكشف عن خطاب يميل إلى الصرامة في تقرير الأحكام، والقوة في انتقاء الألفاظ، والاعتماد على الصورة البلاغية في تقريب المعاني وتثبيت المواقف، وهو خطاب يستمد جانبًا كبيرًا من تأثيره من وضوح الثنائية التي يبني عليها تصوراته، ومن قدرته على تحويل المفاهيم السياسية المجردة إلى صور محسوسة يستطيع المتلقي استعادتها بسهولة، وتبقى قيمته البلاغية في ذلك التداخل بين قوة العبارة وطبيعة المقام الذي قيلت فيه، أما قيمته الحجاجية فتتحدد بمدى اتصال تلك العبارات بالأدلة التي تسندها.
والذي أراه جديرًا بالتأكيد أن اللغة عند الدكتور عبداللطيف آل الشيخ ليست مجرد وسيلة للتعبير عن موقف جاهز، وإنما تدخل في تشكيل ذلك الموقف داخل وعي المتلقي، فالكلمة تصنع صورة، والصورة تستدعي شعورًا، والشعور يفتح الطريق إلى القناعة، وهذه العلاقة الدقيقة بين اللفظ وأثره هي جوهر البلاغة في الخطاب العام، لأن المتحدث المؤثر لا يبلغ غايته بمجرد رفع نبرة الكلام أو اختيار الألفاظ الشديدة، وإنما بقدرته على جعل عباراته واضحة في معناها، منضبطة في أحكامها، قوية في تصويرها، ومسنودة بما يحفظ للبلاغة قيمتها وللحجة سلطانها، فالكلمة التي تمتلك قوة التعبير دون قوة الدليل قد تكسب لحظة من التأثير، أما الكلمة التي يجتمع فيها صدق المعنى وحسن التصوير ومتانة البرهان فإنها تبقى أقدر على الإقناع وأطول عمرًا في الذاكرة.