الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ اكتوبر-٢٠٢٦       5500

بقلم- د. مها ياسر

«الميزانية لا تسمح بزيادة الراتب حاليًا».

جملة قد تنهي اجتماعًا في دقائق، أو تكون بداية تفاوض أكثر ذكاءً.

لنفترض أن موظفًا طلب زيادة راتبه من 30 ألفًا إلى 36 ألف جنيه شهريًا، لكن مديره رفض بسبب قيود الميزانية. أمام الموظف طريقان: أن يتمسك بالرقم ويغادر محبطًا، أو أن يسأل: «إذا كانت الزيادة غير ممكنة الآن، فما البدائل التي يمكن أن تحقق قيمة عادلة لعملي؟».

في الحالة الأولى، يتحول الحوار إلى مواجهة بين رقمين. أما في الثانية، فتبدأ مساحة جديدة للتفاوض: مكافأة مرتبطة بالأداء، أو مراجعة للراتب بعد ستة أشهر، أو مزايا إضافية ذات قيمة حقيقية.

الفرق ليس في المطلب، بل في طريقة إدارة الحوار.

ما وراء الرقم

في كتاب Getting to Yes، يطرح روجر فيشر وويليام يوري مبدأً أساسيًا:

“Focus on interests, not positions.”

«ركّز على المصالح، لا على المواقف».

الموقف هو ما تطلبه، أما المصلحة فهي السبب الذي يجعلك تطلبه.

عندما يقول موظف: «أريد زيادة في راتبي»، فهذا هو المطلب المعلن. لكن وراءه قد توجد مصالح مختلفة: دخل يتناسب مع مسؤولياته، أو تقدير لإنجازاته، أو استقرار مالي، أو مرونة تساعده على تحقيق التوازن بين العمل والحياة.

وبالمثل، عندما ترفض الشركة الزيادة، فقد يكون السبب محدودية الميزانية أو هيكل الأجور، وليس بالضرورة عدم تقدير الموظف.

حين نتفاوض على المواقف وحدها، نبحث عمّن سيتنازل. وحين نفهم المصالح، نبحث عمّا يمكن أن ينجح للطرفين.

دع الطرف الآخر يفهم ما يهمك

لا تفترض أن مديرك يدرك حجم مسؤولياتك أو يعرف القيمة التي تضيفها إلى المؤسسة لمجرد أنك تؤدي عملك بإتقان.

بدلًا من قول: «أستحق راتبًا أعلى»، وضّح ما الذي يجعل طلبك منطقيًا: مشروع نجحت في قيادته، أو تكاليف ساهمت في خفضها، أو نتائج حققتها، أو مسؤوليات جديدة أصبحت تتولاها.

فالحديث عن القيمة الفعلية أقوى من الاكتفاء بالتعبير عن الحاجة، والوقائع المحددة تجعل طلبك أكثر وضوحًا وقابلية للتقييم.

وفي الوقت نفسه، استمع إلى الطرف الآخر. ما القيود التي يواجهها؟ هل المشكلة في الميزانية الحالية، أم في سياسة الرواتب، أم في توقيت المراجعة؟

فهم هذه التفاصيل لا يعني قبول الرفض، بل يساعدك على تحديد المساحة التي يمكن التفاوض داخلها.

لا تجعل العلاقة الشخصية جزءًا من الصفقة

قد يتحول طلب زيادة الراتب إلى اختبار للولاء: يشعر الموظف أن الرفض تقليل من قيمته، ويرى المدير أن الإصرار تحدٍّ لقراره.

وهنا يصبح الخلاف المالي خلافًا شخصيًا، فتضيع فرصة الوصول إلى حل مناسب.

التفاوض المهني لا يتطلب أن تكون متساهلًا حتى تحافظ على العلاقة، ولا أن تكون عدائيًا حتى تحصل على حقوقك. يمكنك أن تتمسك بطلبك، وتناقش أسبابك بوضوح، وتحترم في الوقت نفسه وجهة نظر الطرف الآخر.

افصل بين تقدير الأشخاص ومناقشة المقابل المالي؛ فاختلافكما حول الراتب لا يعني بالضرورة اختلافكما حول قيمة العمل أو جودة العلاقة المهنية.

من المطلب الواحد إلى خيارات متعددة

إذا كانت الزيادة الفورية غير ممكنة، فلا تتوقف عند كلمة «لا». ناقش بدائل محددة، مثل:

* زيادة جزئية الآن، مع مراجعة الراتب في موعد متفق عليه.
* مكافأة مرتبطة بمؤشرات أداء واضحة.
* تأمين طبي أفضل أو بدل انتقال.
* مرونة في ساعات العمل أو أيام العمل من المنزل، إذا كانت مناسبة لطبيعة الوظيفة.
* ميزانية للتدريب والتطوير المهني.

لكن لا تقبل البدائل لمجرد إنهاء النقاش. قيّم قيمتها الفعلية، وحدد الشروط والمواعيد، ووثّق ما يتم الاتفاق عليه. فالوعد بمراجعة الراتب مستقبلًا لا يساوي زيادة مؤكدة ما لم تتضح آلية المراجعة ومعاييرها.

وقبل الاجتماع، حدّد أولوياتك، والحد الأدنى المقبول لديك، والبديل المتاح إذا لم تصل إلى اتفاق. هذا الاستعداد يمنحك القدرة على التفاوض بهدوء، بدلًا من اتخاذ قرار تحت ضغط اللحظة.

التفاوض الذكي ليس معركة

ليس النجاح أن تحصل على كل ما طلبته، كما أن عدم الوصول إلى اتفاق لا يعني بالضرورة أنك فشلت. النجاح هو أن تفهم قيمة ما تقدمه، وتعرض مصالحك بوضوح، وتستكشف البدائل، ثم تتخذ قرارًا واعيًا بشأن النتيجة.

عندما يصبح الراتب مجرد رقم، ينحصر التفاوض في شدّ الحبل بين الموظف والشركة. أما عندما يصبح الحوار حول القيمة والمسؤوليات والعدالة والخيارات الممكنة، فإن فرص الوصول إلى اتفاق أفضل تتسع.

في المرة القادمة التي تفاوض فيها على راتبك، لا تبدأ بالسؤال: «كيف أقنعهم بالموافقة على الرقم الذي أريده؟» بل اسأل: «كيف أوضح ما يهمني، وأفهم ما يهمهم، ونصل إلى اتفاق يحقق قيمة حقيقية للطرفين؟».

فالتفاوض بذكاء لا يعني أن تطلب أقل، بل أن ترى ما وراء ما تطلبه.