بقلم : شموخ نهار الحربي
في بعض المواقف، لا نكون بحاجة إلى من يسألنا عن أحوالنا، بقدر حاجتنا إلى أن نسأل أنفسنا: هل نحن بخير فعلًا، أم أننا فقط نجيد إقناع الآخرين بذلك؟
تأملت كثيرًا في الطريقة التي نعيش بها اليوم، وكيف أصبحنا نحسب لبعض تصرفاتنا ألف حساب. قبل أن نتحدث، نفكر في وقع كلماتنا، وقبل أن نتخذ قرارًا، نتخيل ردود أفعال المحيطين بنا، وحتى حين نرغب في فعل شيء نحبه، قد نتراجع عنه لأننا نخشى أن يُساء فهمنا أو أن تتغير نظرة أحد إلينا.
لا أعتقد أن المشكلة في اهتمامنا بآراء الآخرين، فمن الطبيعي أن تعنينا نظرة من نحب، وأن نحترم مشاعر من تجمعنا بهم الحياة. لكن المشكلة تبدأ حين تصبح هذه النظرة هي المعيار الذي نحتكم إليه في كل شيء، وحين نؤجل رغباتنا ونغير قناعاتنا حتى نبدو بالصورة التي ترضي الجميع.
كم من شخص اختار تخصصًا لم يكن حلمه، لأنه أراد أن يحقق أمنية أسرته؟ وكم من إنسان بقي في علاقة تستنزفه، لأنه يخشى كلام الناس أكثر من خوفه على نفسه؟ وكم مرة أخفينا حزننا خلف ابتسامة، ليس لأننا تجاوزنا ما يؤلمنا، بل لأننا لا نريد أن نشرح لأحد ما نمر به؟
قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها تقول شيئًا مهمًا عن حياتنا؛ فنحن أحيانًا لا نختار ما يناسبنا، بل ما يجعلنا أقل عرضة للنقد.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذا الأمر لم يعد مقتصرًا على علاقاتنا المباشرة، بل امتد إلى الطريقة التي نقدم بها حياتنا للآخرين. في مواقع التواصل الاجتماعي، نرى جوانب مختارة من حياة الناس، ونشارك نحن أيضًا ما نرغب في أن يراه الآخرون. لا أحد مضطر إلى عرض كل تفاصيله، لكن الأمر يستحق التأمل حين يصبح انشغالنا بكيف تبدو حياتنا أكبر من انشغالنا بما نشعر به داخلها.
قد ننشر صورة ليوم جميل، بينما لا نزال نفكر في أمر يؤرقنا، وقد نتحدث عن إنجاز حققناه دون أن يعرف أحد كم مرة شككنا في قدرتنا على الوصول إليه. وهذا أمر إنساني، لكن الخطر أن نعتاد إخفاء حقيقتنا حتى أمام أنفسنا، فنشعر بأن علينا دائمًا أن نكون أقوياء، وناجحين، وهادئين، وكأن التعب نقص ينبغي الاعتذار عنه.
وفي المقابل، لا يعني أن نعيش كما نريد أن نفعل كل ما يخطر لنا دون مراعاة لأحد. النضج ليس أن نتحرر من كل قيد، ولا أن نرفض النصيحة لمجرد أنها لا توافق رغباتنا، وإنما أن نعرف الفرق بين قرار نتخذه عن اقتناع، وآخر نتخذه خوفًا من خسارة رضا الناس.
فليس كل تنازل ضعفًا، وليس كل تمسك بالرأي شجاعة. أحيانًا نتراجع لأننا أدركنا خطأنا، وأحيانًا أخرى نتراجع لأننا لم نحتمل أن نكون مختلفين. والفرق بين الحالتين لا يعرفه أحد بقدر ما يعرفه الإنسان الذي يعيش تفاصيل قراره.
أظن أننا بحاجة إلى مساحة نكون فيها على طبيعتنا دون أن نشعر بأننا مطالبون بتقديم تفسير لكل اختيار. مساحة نستطيع فيها أن نعترف بأننا لا نعرف، وأن بعض أحلامنا تغيرت، وأن ما كان يناسبنا بالأمس لم يعد يشبهنا اليوم. فليس من الضروري أن نبقى النسخة نفسها طوال العمر حتى نثبت للآخرين أننا لم نتغير.
والحقيقة التي قد يصعب تقبلها هي أننا لن نستطيع إرضاء الجميع، مهما حاولنا. سيجد أحدهم في صراحتنا قسوة، وفي صمتنا تكبرًا، وفي قراراتنا أنانية، حتى لو كانت لدينا أسباب لا يعرفها. وإذا جعلنا رضا الجميع غايتنا، فسنظل نغير اتجاهنا كلما اختلفت نظراتهم إلينا.
لا أريد أن أصل إلى نهاية هذا الحديث بالقول إن علينا ألا نهتم بأحد، بل أرى أن علينا أن نمنح آراء الآخرين مكانها الصحيح؛ نستمع إليها، ونتعلم منها، لكننا لا نسلمها حق تقرير حياتنا.
ففي نهاية المطاف، نحن من سيعيش نتائج اختياراتنا، ونحن من سيواجه الأسئلة التي تأتي في لحظات الهدوء، حين ينصرف الجميع ويبقى الإنسان مع نفسه.
وحينها لن يكون السؤال كم شخصًا رضي عنا، ولا كم شخصًا أعجبته قراراتنا، بل سؤالًا أبسط وأصدق: هل كنا نعيش الحياة التي نريدها، أم الحياة التي اعتقدنا أن الآخرين سيحبون رؤيتنا فيها؟
ربما لا نحتاج إلى أن نكون أكثر جرأة أمام الناس بقدر حاجتنا إلى أن نكون أكثر صدقًا مع أنفسنا. أن نراجع بعض اختياراتنا، وأن نتوقف عن الاعتذار عن كل اختلاف، وأن نتذكر أن احترام الآخرين لا ينبغي أن يأتي على حساب احترامنا لذواتنا.
فليس أصعب من أن يمضي الإنسان عمره وهو يحاول أن يكون كما يريدونه، ثم يكتشف متأخرًا أنه لم يمنح نفسه فرصة كافية ليعرف من يكون.
ويبقى السؤال: لو غابت نظرات الآخرين وأحكامهم، هل كنا سنختار الحياة نفسها التي نعيشها اليوم؟