بقلم- أمل بازيد
استمعتُ مؤخرًا إلى طفلٍ يلقي قصيدة وطنية، فاستوقفتني قوة صوته والاعتزاز الذي يملأ كلماته وهو يردد:
«وطني أحبك لا بديل
أتريد من قولي دليل»
كان صوته صغيرًا، وكان المعنى الذي يحمله بحجم وطن. أصغيتُ إليه وشعرتُ أن الكلمات تستدعي في داخلي محبةً سبقتها بسنوات؛ محبةً نشأنا عليها في بيوتنا، وعرفناها في مواقف أهلنا، ثم رأيناها تكبر في أبنائنا. وفي حماسته أدركتُ كيف يعبر الانتماء من جيلٍ إلى جيل، محتفظًا بأصالته، مكتسبًا في كل مرحلةٍ صوتًا جديدًا.
حب الوطن متجذّر فينا منذ البدايات. عرفناه في دعوات أمهاتنا أن يحفظ الله بلادنا، وفي اعتزاز آبائنا برايتها، وفي فرحتهم بكل منجزٍ يتحقق على أرضها. يومها كنا نشاركهم الشعور قبل أن نحيط بأسبابه، ثم كبرنا، وفهمنا قيمة الأرض التي تحتضن أحلامنا، والهوية التي نعتز بها، والأمان الذي تنتظم في ظله حياتنا.
وللوطن في ذاكرة كلٍّ منا ملامح تخصّه؛ بيتٌ شهد خطواته الأولى، ومدرسةٌ فتحت له باب المعرفة، وطرقاتٌ ارتبطت بوجوه أحبته. ومع الأعوام تتسع هذه الصلة؛ فنرى في تقدّمه فرصًا لأبنائنا، وفي قوته سندًا لمستقبلهم، ونشعر أن لنا نصيبًا من مسؤولية ما سيكون عليه غدًا.
ولعل من أعمق ما نُدركه مع النضج قيمة الطمأنينة في تفاصيل يومنا؛ أن نودّع أبناءنا إلى مدارسهم، ونقصد أعمالنا، ونخطط للمستقبل بثقة. وراء هذا الاستقرار تضحياتٌ تُبذل، وجهودٌ تتواصل، وواجباتٌ يؤديها رجالٌ في مواقع قد تغيب عن أنظارنا. وحين نعي ذلك، يزداد امتناننا، ويصبح الحفاظ على هذه النعمة أمانةً تخصّ كل واحدٍ منا.
ثم مضى الطفل يردد:
«سيظل ذكرك في فمي
ووصيتي في كل جيل»
استوقفتني «وصيتي»؛ ففيها حرصٌ على أن تبقى المحبة حيّةً بعدنا، وأن يجد الأبناء ما يصلهم بتاريخهم ويمنحهم الثقة بمستقبلهم. نروي لهم كيف بُني هذا الوطن، وما بذله أهله من صبرٍ وعزيمة، ونعرّفهم بمنجزاته وما تفتحه أمامهم من آفاق. فمعرفة الطريق الذي قطعناه تعينهم على تقدير حاضرهم، وإدراك ما ينتظرهم من مسؤولية.
وتمنح القدوة هذا المعنى قوته. يتعلم الأبناء من أمانتنا في أعمالنا، واحترامنا للأنظمة، وصوننا للحقوق والممتلكات العامة. ويتعمق انتماؤهم حين يجدون فرصةً للمشاركة؛ في مبادرةٍ تطوعية، أو اجتهادٍ علمي، أو عملٍ نافعٍ لمجتمعهم. هناك يشعرون أن لهم مكانًا ودورًا، وأن الوطن يحتاج إلى قدراتهم، وينتظر ما يستطيعون إضافته.
واستوقفني من القصيدة:
«ودليل حبي يا بلادي
سيشهد به الزمن الطويل»
للزمن شهادته التي تحفظها الأعمال؛ معلّمٌ يوقظ في طلابه شغف المعرفة، وطبيبٌ يصون حياة، وكاتبٌ يتحرّى الصدق ويحفظ أمانة الكلمة، وعاملٌ يتقن مهمته ويؤدي حقوق الناس. في كل موقعٍ فرصةٌ للوفاء، ومن تكامل هذه الجهود تنمو الأوطان وتبلغ طموحاتها.
ومن هذا الوفاء أيضًا أن نعي أثر ما نقول ونتداول؛ نتثبّت من الخبر، ونصون تماسك مجتمعنا، ونقدّم الرأي بعلمٍ ومسؤولية. فالمحبة الراسخة تمنح صاحبها حرصًا على الإصلاح، واستعدادًا للمبادرة، وإيمانًا بأن عليه أن يضيف إلى وطنه ما يليق بانتمائه إليه.
انتهى الطفل من إلقائه، وبقي صوته في نفسي. تخيّلته بعد أعوامٍ في موقع عمله، يحمل معرفةً اكتسبها، ومسؤوليةً استحقها، ويؤدي واجبه بالاعتزاز نفسه الذي ألقى به قصيدته. عندها سيشهد له الزمن، وستأخذ كلماته معناها الأوفى؛ محبةً تجذّرت في القلب، وأثمرت على أرض الوطن.
همسة أمل
سيقرأ أبناؤنا معنى الوفاء في سيرتنا؛ فلنترك لهم عملًا يقتدون به، وأثرًا يحملونه إلى من بعدهم، ليبقى الوطن عزيزًا في القلوب، مصونًا بجهود أهله..