بقلم : عبدالمحسن محمد الحارثي
حين يدقّ الخطر بابَ المندب، فهو لا يقف عند ساحلٍ واحد، ولا يستأذن دولةً بعينها؛ بل يدخل إلى حسابات التجارة والطاقة والأمن القومي، ويمتد أثره إلى كل دولةٍ ترتبط مصالحها بالبحر الأحمر وقناة السويس وحرية الملاحة الدولية.
وفي مثل هذه القضايا، لا يكفي أن يكون الموقف صادقًا؛ بل ينبغي أن تُصاغ كلماته بدقة. فالكلمة السياسية ليست زينةً حول الموقف، بل هي جزءٌ منه؛ وقد يُراد بها التضامن فتُفهم وصاية، وقد تُقال مجاملةً فتغادر صاحبها رسالةً إلى الحليف والخصم معًا. ولهذا قيل: الكلمة في السياسة موقفٌ قبل أن تكون عبارة. والمملكة العربية السعودية لا تنتظر من يحميها، ولا تستعير سيادتها من أحد، ولا تحتاج إلى شهادة قدرة. هي دولةٌ بنت حضورها عبر ثلاثة قرون، وحمت أرضها برجالها، وأقامت تحالفاتها من موقع الشريك القادر، لا من موقع التابع المنتظر. لكن هذه الحقيقة لا تنفي حقيقةً أكبر: أن باب المندب ليس بوابةً سعوديةً خاصة، وأن ما يحدث عنده لا ينبغي أن يُقدَّم لأي شعبٍ على أنه تحركٌ «للدفاع عن السعودية» وحدها. فالبحر الأحمر ليس سعوديًا وحده. وباب المندب ليس سعوديًا. وقناة السويس ليست سعودية. إنها شرايينُ تجارةٍ وطاقةٍ واستقرار، وأي عبثٍ بها هو تهديدٌ مباشر لاقتصادات الدول، ولأمن شعوبها، ولحرية الملاحة التي يقوم عليها جزءٌ معتبر من العالم. لذلك، حين تشرح لندن أو باريس، أو أي عاصمةٍ أخرى، أسباب تحركها في هذه المنطقة، فمن الصدق السياسي أن تقول لشعبها: نحن ندافع عن مصالحنا، وعن إمدادات الطاقة، وعن أمن سفننا، وعن حرية التجارة التي تمسّ اقتصادنا ومستقبلنا. وهذه ليست مِنّةً على المملكة، ولا انتقاصًا من تضامنٍ مشروع؛ بل هي لغة الدول الواضحة: المصالح أولًا، ثم الشراكة التي تحميها. ومصر ليست بعيدةً عن هذا الباب؛ فأمن باب المندب يتصل اتصالًا مباشرًا بقناة السويس، وقناة السويس ركنٌ من أركان أمن مصر القومي واقتصادها ومكانتها الدولية. وما يُهدَّد في الجنوب لا بد أن يترك أثره في الشمال، ولو بعد حين. ومن هنا، فإن الموقف المصري الذي يليق بمصر وتاريخها هو أن يُقال بوضوح: نحن ندافع عن أمن مصر، وعن قناة السويس، وعن حرية الملاحة، وعن الأمن العربي، ونقف مع المملكة في مواجهة أي اعتداء على سيادتها. هكذا تستقيم المعادلة. وهكذا تُحفظ مقامات الدول. فثمة فرقٌ كبير بين أن تقول: «نحمي السعودية»، وبين أن تقول: «السعودية قادرة على حماية نفسها، ونحن نقف معها؛ لأن أمنها يتصل بأمننا ومصالحنا». الأولى، وإن حسنت نيتها، قد توحي بعلاقة حامٍ ومحمي. أما الثانية فتصنع صورةً تليق بدولتين كبيرتين: قوةٌ تسند قوة، ودولةٌ تقف مع دولة، وشقيقٌ يساند شقيقًا. ولا ينبغي أن يتحول الدعم التاريخي بين الأشقاء إلى دفتر ديون. فالسعودية حين وقفت مع مصر في مراحلها الصعبة، لم تكن تشتري موقفًا مؤجلًا؛ كما أن مصر حين تقف مع المملكة لا تسدد فاتورةً قديمة، بل تحمي أمنها ومصالحها وتؤكد موقعها الطبيعي في معادلة المنطقة. فالعلاقات بين الدول الكبرى لا تُدار بالحسابات الصغيرة، بل ببصيرةٍ ترى أبعد من اللحظة: إذا اختُنقت الملاحة، تضررت الأسواق. وإذا تمددت الفوضى، لم تقف عند حدود دولة. وإذا تُرك الخطر عند باب المندب، فلن يستأذن أحدًا قبل أن يصل إلى أبواب الجميع. والمملكة، وهي تواجه هذا الخطر، لا تقف عن نفسها وحدها؛ بل تقف في خط الدفاع عن استقرار المنطقة، وعن أمن الملاحة، وعن مصالح العرب والمسلمين والعالم. والقاعدة التي ينبغي ألّا تغيب: من لا يرى الخطر إلا بعد أن يبلغ بابه، فقد تأخر كثيرًا في حمايته. فلتُسمَّ المعركة باسمها الصحيح: دفاعٌ عن المصالح الوطنية، وعن أمن الممرات البحرية، وعن استقرار المنطقة؛ ومساندةٌ للمملكة من موقع الشراكة والتكافؤ، لا من موقع الوصاية. فباب المندب ليس بابَ دولةٍ واحدة، بل بابُ أمنٍ إذا انكسر قفله، لم ينجُ أحدٌ من العاصفة.