بقلم- د. غالب محمد طه
في العام الماضي خرجت مع صديقي «أبو حمود» من حفر الباطن إلى الخفجي، وكان ذلك في موسم الأمطار. ما زلت أذكر ذلك الطريق: سهول واسعة اكتست بالخضرة، وخزامى أرجوانية، ونفل انتشر بين الأعشاب، ومياه تجمعت في الفياض. وعلى امتداد الطريق كانت قطعان الإبل والماشية ترعى في المساحات المفتوحة. كان منظرًا يصعب نسيانه، خاصة لمن يعرف كيف تتبدل هذه الأرض حين يأتيها المطر.
عشت في حفر الباطن سنوات، وكتبت كثيرًا عن ربيعها. وخلال تلك السنوات عرفت أن للأرض حكايات يعرفها أهلها، وأن لكل فيض وروضة ذكريات تتوارثها الأسر. ولهذا استوقفني خبران قرأتهما قبل أيام عن مبادرتين بيئيتين في المحافظة، وأعادا إلى ذاكرتي مشاهد تلك الرحلة.
الخبر الأول عن انطلاق فعاليات نثر بذور النباتات البرية والرعوية المحلية، ضمن الموسم الثالث لمبادرة «إعادة تأهيل المراعي الطبيعية بنثر البذور وحصاد مياه الأمطار»، التي ينفذها المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر. والثاني عن تدشين صاحب السمو الأمير عبد الرحمن بن عبدالله بن فيصل، محافظ حفر الباطن، مبادرة «الاستفادة من صرف السيول»، التي تستهدف تجميع مياه الأمطار والسيول وتخزينها ومعالجتها والاستفادة منها في التشجير وتعزيز الغطاء النباتي.
وللماء في حفر الباطن حكاية أقدم من هذه المبادرات. فقد ارتبط تاريخ المدينة بآبار أبي موسى الأشعري، التي تذكر المصادر التاريخية أنها حُفرت لتوفير المياه للحجاج والمسافرين على طريق الحج بين البصرة ومكة. وكان وجود الماء في تلك الفيافي يعني أن يجد العابرون ما يعينهم على مواصلة الطريق. واليوم تعود المدينة إلى جانب من هذه الحكاية بوسائل جديدة.
ولحفر الباطن لقب يعرفه أهلها قبل غيرهم: «عاصمة الربيع». وقد أصبح هذا اللقب جزءًا من هوية المكان. فالخزامى والنفل اللذان رأيتهما على طريق الخفجي، والفياض التي يقصدها الناس بعد المطر، والمراعي التي تنتشر فيها الإبل، كلها مشاهد ارتبطت في أذهان الناس بهذه المنطقة. وأن يجد القادمون إليها بعد سنوات ربيعًا يعرفون فيه شيئًا مما عرفه آباؤهم أمر يستحق أن نبذل من أجله الكثير.
من هنا أرى قيمة المبادرتين. فنثر بذور النباتات المحلية يساعد على إعادة تأهيل المراعي التي تراجع غطاؤها النباتي، والاستفادة من مياه السيول تتيح موردًا إضافيًا يمكن توظيفه في التشجير، وفق ما تسمح به الظروف الفنية والبيئية. وأجد في اجتماع الخبرين ما يدعو إلى التفاؤل. فالماء والمرعى حاضران في ذاكرة حفر الباطن، وهما اليوم يحظيان بهذا الاهتمام.
وسيبقى الحكم للأرض نفسها. أي النباتات نمت وتكاثرت؟ وأي المراعي استعادت شيئًا من غطائها؟ وكم من مياه الأمطار أمكن الاستفادة منه؟ ستكشف المتابعة الميدانية عن هذه النتائج، وسيكون أهل المحافظة أول من يلاحظ أثرها في الأماكن التي يعرفونها جيدًا. فهم يعرفون ملامح هذه الأرض، ويدركون قيمة أي تحسن يطرأ عليها.
وتستحق هذه المبادرات الشكر والتقدير لكل من يقف خلفها، وهي تأتي ضمن اهتمام المملكة بتنمية الغطاء النباتي وحماية الموارد الطبيعية في إطار رؤية السعودية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء. وما يميز حفر الباطن أن هذه الجهود تجد مكانها في محافظة ارتبط أهلها بربيعها، وأصبح الخروج إلى الفياض والروضات جزءًا من حياتهم وذكريات أسرهم.
وأعود بذاكرتي إلى تلك الرحلة مع «أبو حمود»: الطريق الطويل، والخزامى والنفل، والإبل وسط الخضرة. أحببت حفر الباطن وكتبت عنها كثيرًا، وأرجو أن أعود إلى ذلك الطريق في ربيع قادم فأجد ما أحببته فيه، وأن أرى بعد سنوات أثر هذه الجهود في مراعي المحافظة وفياضها.
فحفر الباطن تستحق أن يبقى لقب «عاصمة الربيع» وصفًا تثبته الأرض كل عام.