الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ اكتوبر-٢٠٢٦       3190

يقلم -أحمد صالح حلبي 
القارئ للأدب العربي  يلحظ مدى تأثير مكة المكرمة في الكثير من الأعمال الشعرية  العربية ، فمن خلالهما نظم وينظم الشعراء قصائدهم فخرا واعتزازا بها ، وهذا ما نراه في قول الشاعر والرحالة الأندلسي ابن جبير الشاطبي ، في وصفه لمكة المكرمة : 
بدَت لي أَعلامُ بيت الهدى 
بمكةَ والنور بادٍ عَليه
 فأحرمت شوقاً له بالهوى 
وأهديت قَلبي هَدياً إليه
ولأن مكة المكرمة محفوظة بحفظ الله ورعايته لبيته الحرام ضد المعتدين ، فقد صور أمير الشعراء أحمد شوقي ذلك في قوله : 
الله أرسل طيراً بين أرجلها
قنابل الصخر ترمى صاحب الفيل
للدّين والبيت رب لا يقاومه
حمر الثياب ولا سود الأساطيل
ومن قبله وقفت صفية بنت عبد المطلب (عمة النبي صلى الله عليه وسلم) ، تتحدث بفخر بما خص الله به أباها عبد المطلب بن هاشم من حفر بئر زمزم وإحيائها ، فأنشدت قائلة : 
نَحْنُ حَفَرْنا لِلْحَجِيجِ زَمْزَمَا 
سُقْيا نَبِيِّ اللهِ في الْمُحَرَّمَا
رَكْضَةَ جِبْرِيلَ ولَمَّا تَعَظَّمَا 
ابْنِ خَلِيلِ رَبِّنا الْمُكَرَّمَا
أما زهير بن أبي سلمى فقال في  معلقته الشهيرة : 
فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الذِّي طَافَ حَوْلَهُ
رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ
فيما قدم   الشاعر مصطفى زقزوق وصفا لحال الطواف حول الكعبة المشرفة بقوله : 
قف بالطوافِ على الخطيئة نادما
             واخضع لربك خاشعاً مستسلمـا
وأمـام هــذا البـيـتِ كــنْ متـأدبـا
                تجـد العنايـةَ والسـلامـةَ مغنـمـا
واشـرب دواء الــداءِ مــاءً شافـيـاً
                مـا زالَ زمــزمُ للمـواجـعِ بلسـمـا
مـن جـاءَ مكـةَ خشـيـةً ومهـابـةً
                 ويلحُّ في طلبِ الرضا مسترحمـا
فالله ذو فـضــلٍ وصـاحــبُ مِــنَّــةٍ
                سبحـانـهُ يُعـطـي ويَعـفـو دائـمـا
وترجم الشاعر حسين عرب توافد الحجيج صوبها قائلا : 
لَبَّيْكَ يَا رَبَّ الحَجِيجِ ،
جُمُوعُهُ وَفَدَتْ عَلَيْكْ
تَرْجُو المَثَابَةَ ، في حِمَاكَ ،
وتَبْتَغِي الزُّلْفَى لَدَيْكْ
لَبَّيْكَ، والآَمَالُ،
والإفْضَالُ، مِنْ نُعْمَى يَدَيْكْ
لَبَّى لَكَ العَبْدُ المُطِيعُ،
وجَاءَ مُبْتَهِلاً إِلَيْكْ
هَذِي الجُمُوعُ، تَدَفَّقَتْ
مِنْهَا المَسَالِكُ والبِطَاحْ
ولم تكن قصائد الشعراء منحصرة في البيت الحرام ، فهناك من تغزل بمكة المكرمة ، وأظهر جمال عباراته ، وبلاغة اسلوبه ، كعمار الذبياني ، الذي جذبته أمطار مكة المكرمة ، فأنشد قائلا : 
جَمَالُ الدِّيَارِ بِأَنْ تُمْطِرَ
فَكَيْفَ بِمَكَّةَ أُمِّ القُرَى ؟
يَهُبُّ النَّسِيمُ بِهَا عَاطِرًا
إِذَا بَلَّلَ الغَيْثُ مِنْهَا الثَّرَى.
أما جلالها فقد وصفه ابنها محمد حسن فقي بقوله : 
مكّتي لا جلالٌ على الأرضِ 
                          يداني جلالَها أو يفوقُ
ما تبالينَ بالرشاقةِ و السحرِ 
                       فمعناكِ ساحرٌ و رشيقُ
وعشق الشعراء لها نقرأه في قول الدكتور عبدالله بن محمد صالح باشراحيل : 
مكة الحب وأعلام تراءت
                    وسقت وديانها شمساً وظلا
إنها رجع براءات نشاوى
                    وهنا طين المنى قد صار فلا
وعشق مكة المكرمة وجمالها ومكانتها لم ينحصر على الشعراء المكيين وحدهم ، فقد غازلها  العديد من الشعراء العرب ، ومنهم الشاعر السوري محمد رفعت زنجير إذ قال عنها   : 
قلبِي يَذُوبُ إِلَيكِ مِن تَحْنَانهِ 
             وَيَهِيمُ شَوقاً في رُبَاكِ وَيَخْضَعُ 
فَإذا ذُكِرتِ فَأَدمُعِي مُنْهَلَّةٌ 
              وَالنَّفْسُ مِن ذِكْراكِ دَوْماً تُوْلَعُ 
وَإِذا خَلَوتُ إِلَيكِ كَانتْ وِجْهَتِي
             فَالرُّوحُ فِيكِ أَسِيرَةٌ، لا تَشْبَعُ 
وَإذا وَقَفْتُ مُناجِياً وَمُصَلِّياً 
              كَانَتْ بِنَفْسِي دَعْوَةٌ أَتَضَرَّعُ
ولأنها مكة المكرمة الفاتنة بجمالها  ، الساحرة بقاصديها  ، الجاذبة للأفئدة قبل الآذان ، جعلت عشاق الكلمة من غير المسلمين يترجمون عشقهم بجمال كلماتهم فتهتز نبضات الأفئدة شوقا ، ويسبح الخيال نحو الجمال  ، وهذا ما نراه في قول الشاعر اللبناني المسيحي سعيد عقيل في قصيدته المشهورة التي لحن كلماتها عاصي الرحباني  وغنتها الفنانة اللبنانية نُهاد حداد المعروفة  باسمها الفنّي فَيروز ، وبثها التلفزيون السعودي عام 1966  وتقول كلماتها :
غنيت مكة أهلها الصيدا
                 والعيد يملأ أضلعي عيدا
فرحوا فلألأ تحت كل سما
              بيت على بيت الهدى زيدا
يا قارئ القرآن صل لهم
             أهلي هناك وطيب البيدا
وتأثير مكة المكرمة  في الأدب نراه أيضا  فيما دونه المستشرقون الذين دخلوا مكة المكرمة خلسة ، وهذا ما سأتناوله لاحقا إن شاء الله .