الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ اكتوبر-٢٠٢٦       3245

بقلم - عيسى المزمومي

لم تأتِ المعاني الوطنية الراسخة التي ارتبطت بتاريخ مؤسس المملكة العربية السعودية، الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيّب الله ثراه، من فراغ؛ بل استندت إلى إيمانٍ عميق بصلابة هذا الشعب، وقدرته على مواجهة الشدائد بثبات وإصرار. وهي معانٍ تختزل حقيقة الانتماء، وتعبّر عن (شعبٍ لا تلين عزيمته أمام التحديات، ولا يستكين حين تشتد المحن) . ولعل ما تشهده المملكة من اعتداءات حوثية غاشمة يعيد إلى الأذهان تلك المعاني الوطنية الأصيلة، ويؤكد أن إرادة السعوديين أكبر من محاولات التهديد والترهيب!
وفي تاريخ الأوطان صفحاتٌ تُكتب بالمواقف، ومواقفُ تكشف معادن الشعوب حين تواجه المخاطر. والمملكة العربية السعودية، التي تمضي بثقة في طريق البناء والتنمية، تدرك أن حماية الأوطان مسؤولية عظيمة، وأن المحافظة على أمنها واستقرارها تتطلب يقظةً دائمة وعزيمةً لا تنكسر أمام الاعتداءات، مهما تعددت أشكالها أو اختلفت وسائلها.
إن الاعتداءات الحوثية الغاشمة التي تستهدف المملكة بالصواريخ الباليستية وصواريخ «كروز» والطائرات المسيّرة، وتهدد أمنها ومنشآتها الحيوية، لا تمثل مجرد تصعيد عسكري عابر، بل تكشف خطورة الممارسات التي تعرّض أمن المنطقة وسلامة المدنيين للخطر. ومع ذلك، فإن هذه الاعتداءات لن تنال من عزيمة السعوديين، ولن تُضعف ثقتهم بوطنهم ومؤسساته، ولن تغيّر إيمانهم الراسخ بأن أمن المملكة وسيادتها خط أحمر لا يمكن تجاوز! 
لقد أثبت المواطن السعودي، عبر مواقف وطنية متعاقبة، أن الانتماء إلى الوطن ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا كلماتٍ تُقال في أوقات الرخاء، بل مسؤولية تتجلى في الشدائد، ووعيٌ يزداد رسوخًا حين تتعاظم التحديات. فالسعوديون الذين يشاركون في مسيرة التنمية، ويعملون بإخلاص من أجل مستقبل بلادهم، يدركون أن الحفاظ على المكتسبات الوطنية يبدأ بالالتفاف حول القيادة، والثقة بقدرات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والالتزام بالتعليمات الرسمية التي تحفظ سلامة الجميع.
وفي مواجهة الاعتداءات المتكررة، تتجلى أهمية الجاهزية الأمنية والعسكرية التي تُمكّن المملكة من حماية أجوائها ومنشآتها الحيوية، والتصدي للتهديدات التي تستهدف أراضيها. فخلف كل إجراء دفاعي منظومةٌ متكاملة من العمل والتخطيط والتدريب، ورجالٌ يؤدون واجبهم بإخلاص وتفانٍ، واضعين حماية الوطن وسلامة سكانه في مقدمة مسؤولياتهم. وهؤلاء يستحقون التقدير والاعتزاز لما يبذلونه من جهود في سبيل صون أمن المملكة واستقرارها! 
غير أن قوة الأوطان لا تُقاس بما تمتلكه من إمكانات عسكرية فحسب، بل كذلك بمدى تماسك مجتمعها، وقدرته على تجاوز الأزمات، ووعيه في التعامل مع الأحداث. ومن هنا، فإن مسؤولية المواطن لا تقل أهمية عن بقية أدوار المنظومة الوطنية؛ إذ تبدأ بالمحافظة على الهدوء، واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، وتجنّب تداول الشائعات والمقاطع مجهولة المصدر، وعدم نشر ما قد يضر بالأمن أو يكشف معلومات حساسة عن المواقع والمنشآت الحيوية.
فالشائعة في أوقات التوتر قد تُحدث من الارتباك ما لا تُحدثه الأخبار الصحيحة؛ ولذلك يصبح الوعي مسؤولية وطنية، ويغدو التثبت من المعلومات علامةً على النضج والإدراك. والمواطن الواعي لا يسمح للخوف بأن يقوده، ولا يترك المجال للمعلومات المضللة كي تعبث بطمأنينته، بل يتعامل مع الأحداث بعقلانية، ويستمد معلوماته من الجهات المختصة، ويسهم في تعزيز الثقة والسكينة داخل أسرته ومجتمعه.
إن الاعتداء على أمن المملكة واستقرارها لا يستهدف حدودها ومقدراتها فحسب، بل يهدد الطمأنينة التي ينشدها كل مواطن ومقيم، ويصطدم بحق الشعوب في العيش بأمان بعيدًا عن التهديدات والعنف. ومن هنا، فإن رفض هذه الممارسات العدائية موقفٌ مبدئي تنطلق أهميته من ضرورة حماية المدنيين، وصون مقدرات الدول، واحترام سيادتها، والتمسك بمبادئ الأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التضامن العربي والدولي مع المملكة، وتوحيد الجهود الرامية إلى ردع الاعتداءات وحماية الأمن الإقليمي. فاستقرار المنطقة مصلحة مشتركة، وأمن الدول لا ينبغي أن يكون رهينةً لممارسات الميليشيات المسلحة الإرهابية أو محاولاتها فرض واقع بالقوة. كما أن دعم الشعب اليمني الشقيق في استعادة أمنه واستقراره يظل ضرورة إنسانية وسياسية، تقتضي التمييز بين تطلعات اليمنيين إلى حياة كريمة وبين الممارسات العدائية التي تزيد معاناتهم وتعمّق أزمات بلادهم.
إن عزيمة السعوديين تستمد قوتها من تاريخ وطنٍ واجه التحديات وتجاوزها، ومن قيادةٍ جعلت أمن البلاد واستقرارها في مقدمة الأولويات، ومن مجتمعٍ يدرك قيمة وحدته الوطنية. وهذه العزيمة ليست دعوةً إلى الاستهانة بالمخاطر، بل هي القدرة على مواجهتها بوعي وحكمة؛ والثبات دون تهور، والثقة دون غرور، ومواصلة العمل دون السماح للتهديدات بأن تعطل مسيرة الحياة والتنمية.
ودائمًا وأبدًا، ستظل المملكة العربية السعودية ماضيةً في طريقها، تحمي أرضها، وتصون مقدساتها، وتحافظ على سلامة مواطنيها والمقيمين فيها والزائرين لها، وتتخذ الإجراءات المشروعة للدفاع عن سيادتها وأمنها. وسيظل السعوديون أوفياء لوطنهم، متماسكين في مواجهة التحديات، مؤمنين بأن وحدة الصف أقوى من محاولات التخويف، وأن الأوطان التي تتسلح بالوعي والإرادة والتلاحم قادرة على تجاوز أصعب الظروف.
فمهما تعددت الاعتداءات، تبقى عزيمة السعوديين راسخة، ويبقى الوطن أكبر من محاولات الاستهداف، وتظل راية المملكة شامخة بإذن الله، بعزم قيادتها، وتكاتف شعبها، ويقظة رجال أمنها ودفاعها. فحماية الوطن شرفٌ ومسؤولية، وأمنه واستقراره أمانةٌ تتوارثها الأجيال، وستبقى إرادة السعوديين عصيةً على الانكسار، ما دام في القلوب انتماء، وفي النفوس إصرار، وفي الوطن قيادةٌ وشعبٌ يجمعهما الوفاء!