بقلم- عبدالله الكناني
تمضي المملكة العربية السعودية بثقة وطن يعرف قدره، ويستند، بعد توفيق الله، إلى قيادة حكيمة، وشعب أبيّ، ومؤسسات راسخة، وقدرات تبنيها بالعلم والعمل والإعداد، وحين نقول إن السعودية عظيمة، فإننا نستحضر تاريخًا من المواقف المشرفة، ومسيرة من البناء والعطاء، وإرادة لا تقبل أن يكون أمن الوطن معلّقًا بانتظار أحد، أو أن يصبح قراره مادة للمزايدات واستعراض الأدوار.
يحفظ الله بلادنا، ويديم عليها عزّها وأمنها، ويغنيها بفضله عمّن يجعل من الموقف منّة، ومن التضامن مناسبة للظهور، فالسعوديون يقدّرون الكلمة الصادقة، ويحفظون لأهل الوفاء وفاءهم، لكنهم يرفضون أن تتحول بلادهم في بعض المنابر إلى مسرح لبطولات لفظية، يمنح فيها المتحدث نفسه دور المنقذ، ثم يبني على هذا الدور حكاية لا يسندها إعلان رسمي ولا موقف موثّق.
ليس لأحد أن ينسب إلى المملكة طلبًا للمساعدة أو الدفاع عنها من دون بيان سعودي صريح، وليس من المهنية تحويل تصريحات الاستعداد إلى وقائع، أو تقديم الرغبات وكأنها قرارات اتُّخذت؛ فبين إعلان التضامن وادّعاء تولّي حماية دولة فرق كبير، وبين احترام السيادة ومحاولة الاستحواذ على المشهد مسافة تكشفها دقة الكلمات وأمانة أصحابها.
قدّمت المملكة، عبر تاريخها، مواقف مشرفة مع دول عربية وإسلامية وصديقة، ومدّت يد العون في أزمات ومحن، وساندت الاستقرار بدعم مباشر، ومعونات اقتصادية، وودائع مالية، ومساعدات لوجستية، وأسهمت في الإغاثة والتنمية، انطلاقًا من قيمها ومسؤوليتها ومكانتها، ولم يكن هذا العطاء رصيدًا لشراء التصفيق، ولا فاتورة تُرفع في وجوه الآخرين عند كل اختبار، لكنه يجعل انتظار الإنصاف والوفاء أمرًا مفهومًا، ويجعل خيبة الأمل في بعض الأصوات أشد وقعًا.
تأتي الشدائد فتمنح الكلمات وزنها الحقيقي، وتكشف الفرق بين صديق يحترمك ويصدقك الموقف، وصوت يكثر الحديث عن الأخوّة، ثم يتخذ من قلق الناس فرصة لتضخيم ذاته، عندها يحضر معنى القول: “جزى الله الشدائد كل خير، عرفت بها عدوي من صديقي”؛ فالمحن، على قسوتها، تزيل كثيرًا من الالتباس، وتضع المواقف أمام اختبار لا تجتازه الشعارات وحدها.
لكن الإنصاف الذي نطالب به يقتضي ألّا نحاكم شعبًا كاملًا بحديث إعلامي، أو بتعليق مسيء، أو بمشهد يبحث أصحابه عن الانتشار؛ ففي الشعوب الشقيقة والصديقة أصحاب وفاء ومواقف كريمة، ولا يجوز أن تضيع أصواتهم وسط الضجيج، وينبغي أن يتجه النقد إلى القول وصاحبه، وإلى المغالطة ومصدرها؛ حتى تبقى حجتنا واضحة، ومواقفنا منسجمة مع قيمنا.
تملك السعودية قيادة تدرك مسؤولياتها، ورجالًا ينهضون بواجبهم، وشعبًا يعي أن قوة وطنه تتعزز بالتماسك والانضباط والعمل، ويتجسد الاعتزاز بهذه القوة في الثقة بالمؤسسات، والالتزام بالتوجيهات، والتثبت من الأخبار، ومواصلة الحياة والإنتاج، بعيدًا عن الانجرار إلى كل استفزاز، أو منح كل مزايد مساحة أكبر من حجمه.
ما ينتظره السعودي من الأصدقاء هو موقف مشرف يحترم سيادة بلاده، وينصف حقيقتها، ويقف مع أمنها واستقرارها بصدق؛ فالتعاون بين الدول قيمة معتبرة، والشراكات المتكافئة مصدر قوة، وتقديرها ينسجم مع استقلال القرار الوطني، ما دامت قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وخالية من الوصاية والمنّة.
تبقى السعودية عظيمة بإيمانها، وقيادتها، وشعبها، وما تبنيه لأجيالها، ويبقى أمنها مسؤولية تتولاها مؤسساتها بإرادة وطنية وقرار سيادي، حفظ الله بلادنا، وأدام عليها عزّها، وأحاطها بأهل الوفاء، وأغناها بفضله عمّن يبيع الكلام ساعة المواقف.