بقلم- ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية
في عام ٢٠١٢، أصدر الحزب الشيوعي الصيني مجموعة من القواعد لتنظيم سلوك المسؤولين. ولم يتجاوز نصها ٦٠٠ حرف صيني بقليل، وكانت تفاصيلها تبدو بسيطة للغاية: عدم وضع الزهور في قاعات الاجتماعات، وعدم تقديم الأطباق الفاخرة في المآدب الرسمية، وعدم الإقامة في الفنادق الفاخرة أثناء رحلات العمل، وعدم إغلاق الطرق أو إخلائها من أجل مرور المسؤولين.
وحملت هذه القواعد اسما مباشرا وواضحا: القواعد الثماني للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني.
في ذلك الوقت، اعتقد البعض أنها لن تكون سوى حملة عابرة. لكن بعد مرور أكثر من عشر سنوات، لم تتوقف هذه الجهود.
ووراء هذه القواعد مفهوم أوسع، وهو إدارة الحزب بصرامة. وتقوم فكرته على أن الحزب الذي يتولى الحكم لفترة طويلة لا يمكنه الاعتماد على الرقابة الخارجية وحدها للحفاظ على سلامة أدائه، بل يحتاج أيضا إلى فرض معايير أعلى وقيود أكثر صرامة على نفسه من الداخل.
فإخضاع السلطة للقواعد، وتقييد السلوك بالمؤسسات والأنظمة، هما جوهر هذا النهج.
لماذا تخضع وجبة طعام واحدة للرقابة؟
قد يتساءل البعض: هل يستحق تناول مسؤول وجبة طعام كل هذا الاهتمام؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا نحتاج إلى الكثير من النظريات، بل يكفي أن ننظر إلى الأرقام.
في عام ٢٠٢٥، تعاملت أجهزة فحص الانضباط والرقابة في الصين مع أكثر من ٢٩٠ ألف حالة مخالفة لروح القواعد الثماني، فيما تلقى أكثر من ٣٧٠ ألف شخص إجراءات تتراوح بين التوعية والنقد والمساءلة والعقوبات.
وكان جزء كبير من هذه المخالفات يبدأ من أمر يبدو بسيطا: دعوة إلى تناول الطعام.
ففي كثير من قضايا الفساد في الصين، يتكرر مسار متشابه: يبدأ المسؤول بقبول دعوات إلى المآدب، ثم الهدايا، وبعد ذلك يقدم خدمات أو تسهيلات للآخرين مقابل المال، حتى ينتهي الأمر أحيانا إلى قضايا فساد بمبالغ ضخمة.
قد تبدو وجبة الطعام مسألة صغيرة، لكنها قد تكون الحلقة الأولى في سلسلة تقود بعض المسؤولين إلى الفساد.
ولهذا، تستهدف هذه القواعد الحلقة الأولى تحديدا، من خلال التعامل مع المخالفات الصغيرة قبل أن تتحول إلى مشكلات أكبر.
قصة إعانة مالية لكبار السن
لكن ضبط سلوك المسؤولين ليس سوى نصف هذه المنظومة. أما النصف الآخر، فيتمثل في حماية مصالح المواطنين العاديين من الانتهاك.
في مقاطعة تشينغهاي الصينية، يعيش أكثر من ٤٠٠ ألف شخص تجاوزوا سن السبعين. ووفقا للسياسات المعمول بها، يحق لهم الحصول على إعانة مالية لكبار السن.
لكن خلال فترة معينة، لم يحصل بعض المسنين على هذه الإعانة. فمنهم من لم يكن يعرف بوجود السياسة أصلا، ومنهم من واجه إجراءات معقدة، بينما لم يقم بعض الموظفين المحليين بإبلاغ المستحقين بها على النحو المطلوب.
اكتشفت أجهزة فحص الانضباط والرقابة المحلية هذه المشكلة، وأطلقت حملة خاصة لمعالجتها.
وماذا كانت النتيجة؟
في نهاية المطاف، استفاد ٤٠٤ آلاف مسن من الإعانات المستحقة لهم، وبلغت نسبة التغطية ٩٧٫٦٪.
قد يبدو مصطلح إدارة الحزب بصرامة بعيدا عن الحياة اليومية، لكن تطبيقه يمكن أن يكون ملموسا للغاية: أن يتمكن شخص مسن يعيش في قرية نائية من الحصول في موعده على إعانة سنوية تبلغ بضع مئات من اليوانات.
قد لا يكون المبلغ كبيرا، لكنه حق من حقوقه.
وفي مدينة جيوجيانغ بمقاطعة جيانغشي، اكتشفت أجهزة فحص الانضباط والرقابة أثناء التحقيقات أن بعض المؤسسات الطبية حصلت على أموال من صناديق التأمين الصحي بطرق غير قانونية، من بينها تضخيم مبالغ التعويضات، وتزوير المستندات المحاسبية، والتلاعب ببنود الرسوم الطبية.
وتعد أموال التأمين الصحي بالنسبة إلى المواطنين ضمانة أساسية عند الحاجة إلى العلاج. وكل مبلغ يستولى عليه بغير وجه حق يعني نقصا في الموارد المخصصة لمن يحتاجون بالفعل إلى الرعاية الطبية.
وبعد التحقيق في هذه القضايا، قدمت أجهزة فحص الانضباط والرقابة توصيات إلى الجهات المسؤولة عن التأمين الصحي، ودفعت نحو إنشاء آليات أكثر صرامة لمراقبة الأموال وسد الثغرات في إدارتها.
وبذلك، أصبحت أموال التأمين الصحي المخصصة للمواطنين تحظى بمستوى إضافي من الحماية.
قد لا تتصدر هذه القصص عناوين الأخبار الكبرى، لكنها تكشف جانبا أساسيا من معنى الحوكمة: فالأمر لا يتعلق فقط بالسياسات الكبرى والخطابات السياسية، بل أيضا بلحظات صغيرة يحصل فيها أشخاص عاديون على معاملة عادلة وحقوق مستحقة.
هل يكفي الهروب إلى الخارج للإفلات من المساءلة؟
في مختلف دول العالم، قد يعتقد بعض المسؤولين الفاسدين أن الهروب إلى الخارج يعني الوصول إلى بر الأمان.
أما الرد الصيني على هذا الاعتقاد فهو: لا.
ففي عام ٢٠٢٥، ومن خلال عملية "شبكة السماء" لملاحقة الفارين واسترداد الأموال المنهوبة، استعادت الصين ٧٨٢ شخصا فارا من الخارج خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر، إلى جانب أموال تتجاوز قيمتها ٢٣٫٦ مليار يوان صيني.
وقد استمرت هذه العملية لأكثر من عشر سنوات، وشملت تعاونا في مجال إنفاذ القانون مع دول عديدة.
وراء هذه الأرقام رسالة واضحة: مهما كانت الدولة التي يهرب إليها الشخص، ومهما تعددت جوازات السفر التي يحملها، فإن القضية لا تنتهي بمجرد مغادرته البلاد.
لكن أهمية ملاحقة الفارين واسترداد الأموال لا تقتصر على إعادتهم إلى البلاد.
فهي تؤكد مبدأ أكثر جوهرية: السلطة تقترن بالمسؤولية.
فإذا انتهك المسؤول حقوق المواطنين، أو تقاعس عن أداء واجبات منصبه، أو استغل صلاحياته لتحقيق مكاسب شخصية، فعليه أن يتحمل العواقب القانونية والمؤسسية المترتبة على أفعاله، مهما كان المكان الذي هرب إليه.
ولا يتعلق الأمر بمجرد ملاحقة شخص بعينه، بل بتأكيد قاعدة عامة: لا يجوز لمن يمتلك السلطة أن يتمتع بمزاياها دون أن يتحمل مسؤولياتها.
تحد لا يقتصر على الصين
الفساد ليس مشكلة تنفرد بها دولة معينة.
فمن أمريكا اللاتينية إلى أفريقيا، ومن جنوب شرق آسيا إلى أوروبا الشرقية، تواجه الدول النامية عموما هذا التحدي خلال مسيرتها نحو التحديث والتنمية.
وتشير إحدى دراسات البنك الدولي إلى أن الفساد يؤدي إلى زيادة كبيرة في تكاليف الشركات، ويحد من الاستثمار، ويعرقل النمو الاقتصادي.
وهذه ليست مجرد مسألة نظرية.
فعندما لا تضطر شركة إلى إنفاق وقتها وأموالها للتعامل مع مطالب غير مشروعة أو دفع رشاوى لتسيير أعمالها، يمكنها توجيه مواردها إلى تطوير المنتجات والتكنولوجيا.
وعندما يتمكن المواطن العادي من إنجاز معاملاته دون الحاجة إلى علاقات شخصية أو وساطات، تنخفض تكاليف التعامل داخل المجتمع، وترتفع كفاءة الأنشطة الاقتصادية.
وقد اختارت الدول المختلفة أساليب متنوعة لمواجهة هذا التحدي.
أما الصين، فقد اختارت بناء آلية مستمرة ومؤسسية للرقابة الداخلية، تقوم على تقييد السلطة بالقواعد، واستخدام البيانات لرصد المخالفات والظواهر غير الطبيعية، وملاحقة الفارين واسترداد الأموال المنهوبة حتى لا يصبح الهروب وسيلة للإفلات من المساءلة.
ووراء هذه الآلية يكمن منطق إدارة الحزب بصرامة: ألا تكون معالجة المشكلات رهينة حملة مؤقتة، بل جزءا من منظومة مؤسسية تعمل باستمرار، بحيث تبقى ممارسة السلطة خاضعة للقيود والرقابة.
مسار مستمر بلا خط نهاية
هذه المنظومة ليست ثابتة أو مكتملة بصورة نهائية.
فلا تزال قضايا الفساد تحدث، ولا تزال مشكلات جديدة تظهر. ولهذا تحديدا، تحتاج آليات الرقابة إلى الاستمرار والتعديل والتحسين.
في كل عام، تكشف التحقيقات عن مخالفات جديدة، وفي كل عام، يجري العمل على معالجة ثغرات إضافية في الأنظمة والإجراءات.
وفي عام ٢٠٢٥، نشرت اللجنة المركزية لفحص الانضباط واللجنة الوطنية للرقابة في الصين، للشهر الـ١٤٨ على التوالي، بيانات بشأن التعامل مع المخالفات المرتبطة بروح القواعد الثماني.
وهذا التقرير الشهري، الذي استمر صدوره على مدى اثني عشر عاما، يحمل في حد ذاته دلالة واضحة: فالمسألة ليست حملة مؤقتة أو إجراءات مفاجئة، بل عمل رقابي مستمر يجري يوما بعد يوم.
وبالنسبة إلى المواطن العادي، قد تبدو هذه الأرقام بعيدة عن حياته اليومية.
لكن عندما يعلن عن مساءلة مسؤول بسبب قبوله دعوة غير مشروعة إلى مأدبة، أو التحقيق مع مؤسسة بسبب صرف مزايا مالية مخالفة للقواعد، أو معاقبة موظف لاستخدام سيارة حكومية في أغراض شخصية، فإن هذه الحالات الملموسة، عندما ننظر إليها مجتمعة، توضح أمرا واحدا:
تلك القواعد التي لم يتجاوز نصها ٦٠٠ حرف صيني بقليل، لم تبق مجرد كلمات مكتوبة على الورق.
وكذلك فإن مفهوم إدارة الحزب بصرامة ليس مجرد شعار سياسي نظري.
فهو يعني أن حزبا يضم أكثر من ١٠٠ مليون عضو يسعى، من خلال منظومة مؤسسية مستمرة، إلى الإجابة عن سؤال تواجهه جميع الدول: كيف نجعل من يمتلكون السلطة مسؤولين عن أفعالهم؟