بقلم - ياسين خالد خياط
رغم التطور الذي شهدته المملكة في التشريعات والقضاء الداعمين للتحكيم، فإن الممارسة العملية لا تزال تواجه تحديات تستحق الوقوف عندها، وفي مقدمتها معايير اختيار المحكمين، ومدى توافر الخبرة القانونية والتحكيمية لديهم، في ظل الانتشار الواسع للتحكيم الحر ومحدودية اللجوء إلى التحكيم المؤسسي.
ومن أبرز الإشكالات التي تستدعي المعالجة اختيار بعض المحكمين بناءً على العلاقات الشخصية والمجاملات، دون التحقق الكافي من مؤهلاتهم وخبراتهم العملية. فالتحكيم ليس منصباً تشريفياً، ولا تكفي لممارسته الشهادات العلمية أو الدورات التدريبية أو الخبرة الفنية وحدها، وإنما يتطلب معرفة قانونية راسخة، وإلماماً بقواعد الإثبات والإجراءات، وخبرة في إدارة الخصومة، وتقدير الأدلة، وصياغة الأحكام وتسبيبها وفق الأصول القانونية.
وتزداد خطورة الاختيارات العشوائية في المنازعات التجارية المعقدة، حيث قد يؤدي ضعف التأهيل إلى اضطراب الإجراءات، وإطالة أمد النزاع، وارتفاع تكاليفه، وصدور أحكام تعاني من قصور قانوني أو إجرائي قد يعرضها للبطلان، وهو ما ينعكس سلباً على ثقة المتعاملين بالتحكيم.
وهنا تتجلى أهمية التحكيم المؤسسي، الذي يوفر قواعد إجرائية واضحة، وآليات منظمة لتعيين المحكمين والتحقق من استقلالهم وحيادهم، وإدارة الخصومة ومتابعة إجراءاتها، بما يعزز الانضباط المهني ويحد من الإشكالات التي قد تواجه التحكيم الحر، دون المساس باستقلال هيئة التحكيم في الفصل في النزاع.
إن هذه الممارسات تتطلب وقفة مهنية جادة لتصحيح المسار، تبدأ بإعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة والخبرة الفعلية عند اختيار المحكمين، والحد من المجاملات، وتطوير برامج التأهيل المتخصص، وتشجيع الشركات والمحامين على اعتماد التحكيم المؤسسي في عقودهم ومنازعاتهم.
فالتحكيم قضاء خاص تمس أحكامه الحقوق والمراكز القانونية، وليس مجالاً للتجارب أو المجاملات. وإذا كانت المملكة تتطلع إلى ترسيخ مكانتها مركزاً إقليمياً ودولياً للتحكيم، فإن تحقيق هذه الغاية يستلزم الارتقاء بجودة الممارسة، وترسيخ معايير الاختيار المهني، وتعزيز دور المؤسسات التحكيمية، باعتبارها ركيزة أساسية لبناء الثقة وتحقيق العدالة التحكيمية بكفاءة واستقلالية.