الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ اكتوبر-٢٠٢٦       5115

بقلم ـ أ. عبدالله بن مطر المقاحطة

إن خدمة الوطن لا تتحقق بكثرة الحديث عن الإنجازات ولا بتعاقب الاجتماعات والقرارات الإدارية التي تستهلك أعمار المؤسسات دون أن تترك أثرًا يوازي ما تنفقه الدولة عليها من موارد وإمكانات، وإنما تتحقق بعقول وطنية تدرك أن المسؤولية تكليف ثقيل وأن المنصب فرصة محدودة لصناعة التغيير وإضافة قيمة حقيقية إلى مسيرة التنمية، وأن الجامعات السعودية التي تحظى بدعم سخي من قيادتنا الرشيدة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تضخ دماء شابة ومتجددة في قياداتها الأكاديمية والإدارية، وأن تتحرر من البيروقراطية التي تجعل المحافظة على الكرسي الإداري أهم من تطوير المؤسسة التي وُجد ذلك الكرسي لخدمتها.

ونحن نعيش مرحلة تاريخية تتسارع فيها مشروعات البناء والتحول الاقتصادي تحقيقًا لمستهدفات رؤية المملكة 2030، لم يعد مقبولًا أن تمر سنوات على بعض القيادات الجامعية دون أن يستطيع المجتمع تحديد الأثر العلمي والاقتصادي والتنموي الذي تركته تلك القيادات في محيطها، فالدولة التي تستثمر في الإنسان وتؤسس الجامعات وتوفر لها الميزانيات والإمكانات لا تنتظر من رئيس الجامعة أن يكون مديرًا لتسيير الأعمال اليومية التي تستطيع الأجهزة الإدارية القيام بها، وإنما تنتظر قائدًا يمتلك مشروعًا علميًا واضحًا ويعرف كيف يحول الجامعة إلى قوة منتجة للمعرفة والبحث والابتكار والوظائف والاستثمار.

ومن هذا المنطلق أضع أمام معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان مقترحًا أراه جديرًا بالدراسة والاهتمام، يتمثل في تشكيل لجنة وطنية مستقلة لتقييم أداء رؤساء الجامعات ترتبط مباشرة بالمسؤول المختص بالتعليم الجامعي في الوزارة وبالتنسيق مع مجلس شؤون الجامعات، وتكون مهمتها الأساسية فحص الإنجازات الفعلية التي تحققت خلال مدة تكليف كل رئيس جامعة قبل اتخاذ قرار التجديد له، على أن تقوم أعمالها على مؤشرات معلنة تشمل جودة المخرجات التعليمية ونسب توظيف الخريجين والإنتاج البحثي المؤثر والعوائد الاقتصادية والشراكات التنموية واستقطاب الكفاءات وتجديد القيادات الأكاديمية ورضا المستفيدين، فلا يصبح التجديد امتدادًا طبيعيًا لسنوات الخدمة وإنما استحقاقًا يصنعه الأداء وتثبته النتائج.

ولنأخذ جامعة حفرالباطن مثالًا يستحق التأمل والمساءلة الموضوعية، فما الذي تغير في علاقتها بمجتمع المحافظة خلال الأعوام الأربعة الماضية؟ وما المشروعات العلمية التي تحولت إلى عوائد اقتصادية ملموسة؟ وما حجم إسهامها في معالجة احتياجات المحافظة التنموية؟ وكم فرصة عمل أسهمت في صناعتها لخريجيها؟ وما الذي قدمته للقطاع الخاص من بحوث واستشارات وحلول علمية؟ وما التخصصات الجديدة التي أوجدتها استجابة لمتطلبات سوق العمل؟ وأين الأثر الذي يشعر به المواطن خارج أسوار الجامعة ويستطيع أن يلمسه في حياته ومستقبل أبنائه؟

ولست بهذه التساؤلات أنفي ما تحقق لجامعة حفرالباطن من إنجازات أو ما ناله بعض طلابها وباحثيها من جوائز علمية أو ما حققته من اعتماد مؤسسي، فتلك جهود تستحق التقدير ويجب أن تُنسب إلى أصحابها، غير أن السؤال الأكبر الذي يستحق إجابة موثقة يتعلق بحجم التحول الذي أحدثته الجامعة في اقتصاد المحافظة ومجتمعها مقارنة بما أتيح لها من موارد خلال السنوات الماضية، فالفارق واسع بين جامعة تنجح في أداء بعض أنشطتها المعتادة وجامعة تستطيع أن تقود تنمية منطقتها وأن تحول المعرفة التي تنتجها إلى فرص ومشروعات ومؤسسات اقتصادية.

ومع اقتراب انتهاء مدد تكليف بعض القيادات الجامعية أو النظر في تجديدها، يصبح من الضروري أن نفصل بين النشاط الإداري الذي يزداد عادة عند اقتراب القرارات المهمة وبين الإنجاز المؤسسي الذي يستغرق سنوات من التخطيط والعمل، فلا يصح أن تكون كثافة الزيارات والاجتماعات وتوقيع الاتفاقيات في الأشهر الأخيرة معيارًا للحكم على أداء رئيس جامعة أمضى سنوات في منصبه، ولا يجوز أن تتحول الصور الإعلامية والتقارير الاحتفالية إلى بديل عن قياس الأثر الحقيقي الذي يفترض أن يكون حاضرًا طوال سنوات المسؤولية.

وأرى أن تجديد القيادات الجامعية يجب أن يبدأ أيضًا من العمادات ورئاسات الأقسام العلمية، ويمكن الاستفادة من التجارب التنظيمية في الجامعات السعودية الكبرى ومنها جامعة الملك عبدالعزيز مع تفعيل المبدأ الذي أقره نظام الجامعات في تحديد مدة تكليف العمداء ورؤساء الأقسام بسنتين قابلتين للتجديد، بحيث تكون نهاية السنتين محطة جادة لمراجعة الأداء وإتاحة الفرصة لكفاءات جديدة متى اقتضت المصلحة ذلك، لأن بقاء المسؤول سنوات طويلة دون مساءلة حقيقية قد يضعف روح المبادرة ويجعل المنصب في نظر بعض شاغليه امتيازًا شخصيًا ويخلق بيئة تتقدم فيها العلاقات على الكفاءات ويصبح فيها التجديد الإداري أصعب من استمرار الأوضاع القائمة.

إن الجامعة التي لا تكتشف قيادات جديدة من بين أساتذتها ولا تفتح الطريق أمام العقول الشابة ولا تسمح بتداول المسؤوليات وفق الكفاءة والإنجاز، تخاطر بأن تتحول تدريجيًا إلى مؤسسة تدير ماضيها بدلًا من أن تصنع مستقبلها، وليس من العدل أن تظل الطاقات العلمية المؤهلة تنتظر سنوات طويلة فرصة المشاركة في صناعة القرار بينما تتكرر الأسماء نفسها في مواقع المسؤولية دون أن تخضع نتائج أعمالها لتقييم يكشف ما أضافته إلى المؤسسة.

إنني لا أدعو إلى تغيير رؤساء الجامعات لمجرد التغيير ولا إلى إقصاء أصحاب الخبرة والكفاءة الذين أثبتوا قدرتهم على الإنجاز، وإنما أدعو إلى أن يكون الوطن هو المستفيد الأول من كل قرار تعيين أو تجديد وأن تصبح النتائج هي اللغة التي تتحدث بها القيادات أمام المسؤول والمجتمع، فمن نجح واستطاع تقديم قيمة علمية واقتصادية تستحق الاستمرار فليكن إنجازه شاهدًا له، ومن لم يستطع تحقيق المستهدفات المقررة رغم توافر الإمكانات فليفسح الطريق لمن يمتلك رؤية جديدة وقدرة أكبر على العمل.

أرجوكم التفتوا إلى الوطن بأرواحكم وعقولكم لا بنفوسكم المتطلعة إلى المناصب، فالمملكة التي تبني مستقبلها بعزيمة قيادتها وطموح شبابها لا تحتاج إلى مسؤول يجيد المحافظة على كرسيه بقدر حاجتها إلى قائد يعرف كيف يترك وراءه مؤسسة أقوى مما تسلمها، فالكرسي الإداري له مدة تنتهي أما أثر العمل المخلص فيبقى شاهدًا على صاحبه في ذاكرة الوطن.