الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ اكتوبر-٢٠٢٦       13310

بقلم - المحامي مفرح بن عبدالمحسن الفالح
حين نتأمل ما تنعم به المملكة العربية السعودية من أمن واستقرار، وما تحقق على أرضها من نهضة وتنمية، فإن أول ما ينبغي استحضاره أن هذه النعم لم تأتِ من فراغ، وإنما هي ثمرة توفيق الله سبحانه، ثم جهود عظيمة وتضحيات متتابعة، بذلها رجال صدقوا في خدمة دينهم ووطنهم، وأدركوا أن المحافظة على الأوطان مسؤولية لا تقل شأنًا عن بنائها.
ومن النصوص النظامية التي تستحق الوقوف عندها، المادة الرابعة والثلاثون من النظام الأساسي للحكم، الصادر بالأمر الملكي رقم (أ/90) وتاريخ 27/8/1412هـ، التي نصت على أن: »  الدفاع عن العقيدة الإسلامية، والمجتمع، والوطن واجب على كل مواطن، ويبين النظام أحكام الخدمة العسكرية«.
وهذا النص، على وجازة ألفاظه، يحمل دلالات شرعية وقانونية ووطنية عميقة، ويؤسس لمبدأ ينبغي أن يستقر في وجدان كل مواطن سعودي، وهو أن الدفاع عن الوطن ليس مجرد شعور بالانتماء أو موقف تفرضه الظروف، بل واجب أصيل قرره النظام الأساسي للحكم، وأوجب على المواطن تحمل مسؤوليته في إطاره الشرعي والنظامي.
ولعل أول ما يستوقف المتخصص في القانون عند قراءة هذه المادة أن المنظم السعودي استخدم لفظ «واجب»، ولم يكتفِ بالتأكيد على أهمية الدفاع عن الوطن؛ والفرق بينهما جوهري، إذ إن الواجب في مدلوله القانوني يتجاوز دائرة الرغبة الشخصية إلى الالتزام الذي تقرره القواعد النظامية، وتحدد التشريعات ذات الصلة نطاقه وأحكامه.
ومن هنا تبرز القيمة القانونية لهذه المادة؛ فهي لا تكتفي بتقرير مبدأ وطني عام، وإنما تضع أساسًا نظاميًا لمسؤولية المواطن في الدفاع عن العقيدة الإسلامية والمجتمع والوطن، مع إحالة تنظيم أحكام الخدمة العسكرية إلى الأنظمة المختصة.
ومن الدلالات التي تستحق التأمل تقديم العقيدة الإسلامية على المجتمع والوطن، وهو ترتيب يتفق مع الأسس التي قامت عليها هذه الدولة المباركة؛ فقد نصت المادة السابعة من النظام الأساسي للحكم على أن الحكم في المملكة يستمد سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنهما الحاكمان على النظام الأساسي وجميع أنظمة الدولة.
وهذه الخصوصية تمنح الدفاع عن المملكة العربية السعودية بُعدًا عظيمًا في نفوس أبنائها، فهي بلاد الحرمين الشريفين، ومهبط الوحي، وقبلة المسلمين، والدولة التي شرفها الله بخدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، فضلًا عما تمثله من وطن يجمع أبناءه تاريخ واحد ومصير مشترك.
وإذا تأملنا المادة الرابعة والثلاثين في سياقها النظامي، وجدنا أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمادة الثالثة والثلاثين التي قررت مسؤولية الدولة عن إنشاء القوات المسلحة وتجهيزها للدفاع عن العقيدة والحرمين الشريفين والمجتمع والوطن.
وهنا تظهر دقة التنظيم؛ فالمادة الثالثة والثلاثون تتناول مسؤولية الدولة في إعداد القوة اللازمة للدفاع، بينما تقرر المادة الرابعة والثلاثون واجب المواطن. وفي هذا التكامل تأكيد على أن حماية الوطن مسؤولية تتضافر فيها جهود مؤسسات الدولة مع ما يقرره النظام من واجبات على المواطنين.
غير أن من الأهمية بمكان، ونحن نتناول هذه المسؤولية، التأكيد على أن الواجب الوطني لا يبيح تجاوز الاختصاصات النظامية، ولا يمنح الأفراد صلاحيات مستقلة عن الجهات المختصة؛ فالدفاع عن الوطن، شأنه شأن سائر الواجبات العامة، تحكمه أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية، ويؤدى وفق ما تقرره الجهات المختصة من تنظيمات وصلاحيات.
كما ينبغي التمييز بين الواجب الوطني والمسؤولية الجزائية؛ فليس كل إخلال بواجب وطني يشكل بالضرورة جريمة تستوجب العقوبة، إذ إن ترتيب المسؤولية الجزائية يخضع لمبدأ المشروعية، الذي أكدته المادة الثامنة والثلاثون من النظام الأساسي للحكم، ومقتضاه أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص شرعي أو نظامي.
وهذا التمييز ليس مسألة قانونية نظرية فحسب، بل هو ضمانة أساسية لتحقيق العدالة، وتأكيد على أن المحافظة على أمن الوطن واستقراره يجب أن تكون في إطار من احترام الحقوق والالتزام بالأنظمة.
ولا ينحصر مفهوم المحافظة على الوطن في الجانب العسكري والأمني، بل يمتد إلى ميادين متعددة، من أبرزها حماية وحدة المجتمع، والمحافظة على مقدرات الدولة، واحترام الأنظمة، وأداء الحقوق والواجبات، والتصدي للشائعات والمعلومات المضللة بالوعي والتحقق والرجوع إلى المصادر الموثوقة.
وقد أولى النظام الأساسي للحكم هذا الجانب عناية واضحة، إذ قررت المادة التاسعة والثلاثون مسؤولية وسائل الإعلام والنشر وجميع وسائل التعبير في دعم وحدة الأمة، والالتزام بأنظمة الدولة، وحظرت ما يؤدي إلى الفتنة أو الانقسام أو يمس بأمن الدولة، وفق الأحكام التي تبينها الأنظمة.
وما أحوجنا إلى استحضار هذا المعنى في زمن أصبحت فيه الكلمة تنتشر خلال لحظات، وقد تترك آثارًا تتجاوز ما يتصوره ناشرها. فالوعي بخطورة الشائعة، والتثبت قبل النشر، والمحافظة على وحدة الصف، من مقتضيات المسؤولية الوطنية، ومن صور الإسهام في حماية المجتمع واستقراره.
وإذا كان هذا هو التأصيل النظامي، فإن الشريعة الإسلامية قد سبقت إلى تقرير أصول المحافظة على الأمن واجتماع الكلمة، والتحذير من التنازع والفرقة؛ قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقال سبحانه ممتنًا على عباده بنعمة الأمن: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4].
ومن يعرف تاريخ المملكة العربية السعودية، وما كانت عليه أجزاء واسعة من الجزيرة العربية قبل توحيدها من تفرق واضطراب، يدرك عظمة المنجز التاريخي الذي تحقق على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله-، حين جمع الله به شتات هذه البلاد، وأرسى دعائم دولة قامت على الشريعة الإسلامية، وجعلت الأمن والاستقرار أساسًا لبنائها ونهضتها.
ثم تواصلت مسيرة البناء في عهود أبنائه الملوك من بعده، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، في ظل ما تشهده المملكة من مشروعات تنموية وتحولات كبرى، تستلزم المحافظة على أمن الوطن واستقراره وصيانة مكتسباته.
ولا يمكن الحديث عن الدفاع عن الوطن دون الوقوف إجلالًا وتقديرًا لرجال قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، الذين يتحملون مسؤوليات عظيمة في حماية هذه البلاد والذود عن أمنها ومقدساتها ومقدراتها. وإن ما يبذلونه من جهود وتضحيات يستحق من أبناء الوطن الوفاء والتقدير والدعاء، كما يستحق شهداء الواجب الدعاء بالرحمة والمغفرة، وأسرهم الرعاية والتقدير.
وإن من الوفاء كذلك أن يدرك كل مواطن أن له دورًا في حماية وطنه بحسب موقعه واختصاصه؛ فالمعلم حين يغرس قيم الانتماء والاعتدال، والقاضي حين يقيم العدل، والمحامي حين يسهم في حماية الحقوق وترسيخ احترام النظام، والإعلامي حين يتحرى الحقيقة، والموظف حين يؤدي الأمانة بإخلاص، جميعهم يسهمون في تعزيز قوة المجتمع واستقراره.
وفي تقديري، فإن المادة الرابعة والثلاثين جديرة بأن تحظى بحضور أوسع في الخطاب القانوني والتربوي والإعلامي؛ لأنها تؤكد حقيقة قد تغيب عن البعض، وهي أن المواطنة ليست مجموعة من الحقوق التي يتمتع بها الفرد فحسب، وإنما هي حقوق تقابلها واجبات، ومسؤوليات ينبغي أداؤها بإخلاص وأمانة.
ومن الخطأ أن يتعامل الإنسان مع أمن بلاده باعتباره أمرًا مضمونًا لا يحتاج إلى محافظة ورعاية؛ فالتاريخ، وما نراه من أحوال بعض المجتمعات من حولنا، شاهد على أن فقدان الأمن ينعكس على حياة الناس وحقوقهم وأرزاقهم، وأن المحافظة على الاستقرار مسؤولية تتطلب وعيًا دائمًا ويقظةً مستمرة.
إن قوة الوطن لا تقاس بما يمتلكه من قدرات عسكرية واقتصادية فحسب، بل تقاس كذلك بوعي أبنائه، وتمسكهم بوحدتهم، واحترامهم لأنظمتهم، وإدراكهم أن أمن الوطن مسؤولية مشتركة لا يصح التهاون بها.
وختامًا، فإن المادة الرابعة والثلاثين من النظام الأساسي للحكم ليست مجرد نص يُقرأ في المدونات النظامية، وإنما هي تأصيل لمبدأ يجمع بين الواجب الشرعي والمسؤولية الوطنية والالتزام القانوني، ويذكر كل مواطن بأن لهذا الوطن حقوقًا ينبغي الوفاء بها، كما أن للمواطن حقوقًا تكفلها الشريعة وتحميها الأنظمة.
ولئن كان الدفاع عن الوطن واجبًا تقرره النصوص، فإن المحافظة على أمنه ووحدته ومكتسباته تظل شاهدًا على صدق الانتماء وحسن الوفاء.
فالوطن الذي ورثناه آمنًا مستقرًا أمانة في أعناقنا، ومسؤوليتنا ألا نفرط في أمنه، وألا نستهين بوحدته، وأن نسلمه إلى الأجيال القادمة أكثر رسوخًا وازدهارًا.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها عزها وأمنها واستقرارها، وحفظ خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده، وأيد جنودنا المرابطين ورجال أمننا، وجزى القائمين على حماية هذا الوطن خير الجزاء.