الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ اكتوبر-٢٠٢٦       2530

بقلم ـ شموخ الحربي

لم أكن أحتاج إلى موقف جديد لأعرف ماذا تعني المملكة العربية السعودية بالنسبة لي، لكن بعض المواقف تجعلنا نرى ما نعرفه بقلوبنا رأي العين، وتعيد إلينا اكتشاف هذا الوطن من زاوية أكثر عمقًا؛ زاوية لا تُقاس فيها المحبة بما نقوله عن السعودية، بل بما نفعله حين تحتاج إلينا.

في الأيام التي تتجه فيها الأنظار إلى الأخبار، ويصبح الدعاء حاضرًا على ألسنة الناس، تظهر معادن الشعوب. وهنا، لا أستطيع أن أنظر إلى مشاهد السعوديين وهم يتوافدون للتبرع بالدم دون أن أشعر بأن وراء هذا المشهد حكاية أكبر من التبرع نفسه؛ حكاية شعب لا يقف متفرجًا حين يستطيع أن يفعل شيئًا.

تخيّلوا أن يقف الإنسان في طابور، لا ينتظر مصلحة شخصية، ولا يسعى إلى مقابل، بل ينتظر دوره ليمنح شخصًا آخر فرصة للحياة. قد لا يعرف اسمه، ولا يعرف ملامحه، ولا تربطه به صلة قرابة، ومع ذلك جاء لأن هناك إنسانًا يحتاج إلى المساعدة، ولأن في وسعه أن يقدم شيئًا قد ينفعه.

أيُّ معنى للانتماء أصدق من هذا؟

أن تمنح من جسدك لتعين جسدًا آخر على الحياة، وأن تقتطع من وقتك لتقف مع شخص ربما لن تلتقيه يومًا، وأن تشعر بأن ألم الآخرين ليس شأنًا بعيدًا عنك؛ كل ذلك يتجاوز حدود المبادرة الفردية، ليصبح صورة من صور التكاتف الذي نعتز به، والقيم التي نريد أن تبقى حاضرة في مجتمعنا.

ولعل أجمل ما في هذه المشاهد أن الناس لا يحتاجون إلى معرفة بعضهم حتى يتسابقوا إلى المساعدة. هناك حاجة، وهناك من يستطيع أن يقدم شيئًا، فتجدهم يتوافدون ويقفون في انتظار دورهم. وهكذا تتحول صفوف المتبرعين إلى مشهد من مشاهد العطاء، ويصبح الدم الذي يُقدَّم بصمت رسالة لا تحتاج إلى كثير من الكلام: نحن هنا، ولن نتأخر حين نستطيع المساعدة.

وأنا، كمواطنة سعودية، لا أرى في ذلك مشهدًا عابرًا يُلتقط ثم يُنسى؛ أراه موقفًا يستحق أن يُكتب، وأن يُحفظ في الذاكرة. فالأوطان لا تُعرف فقط بما تحققه من منجزات، وما تشيّده من مشاريع، وما تبلغه من تطور، بل تُعرف أيضًا بما توقظه في نفوس أبنائها من شعور بالمسؤولية تجاه بعضهم بعضًا.

نحن نحب السعودية لأنها وطننا، ولأن في مدنها ذكرياتنا، وفي أرضها حكاياتنا، وفي أمنها طمأنينتنا، وفي رايتها معنى يجمعنا مهما اختلفت تفاصيل حياتنا. لكن المحبة الحقيقية لا ينبغي أن تبقى شعورًا في الصدر؛ عليها أن تجد طريقها إلى الفعل. وهذا ما يجعل مشهد التبرع بالدم عظيمًا في نظري: أن تتحول المحبة من عبارة تُقال إلى خطوة تُتخذ، ومن دعاء يُرفع إلى يد تمتد بالعون، ومن شعور بالقلق على الآخرين إلى مبادرة حقيقية لمساعدتهم.

وإذا كان التبرع بالدم قد كشف لنا جانبًا من هذه الروح، فإن الحديث عن شهداء الوطن يعيدنا إلى معنى آخر من معاني الوفاء؛ إلى أولئك الذين أدّوا واجبهم في حماية وطنهم، وتركوا خلفهم أسرًا تحمل ذكراهم، وقلوبًا تدعو لهم، وحكايات لا تنتهي برحيل أصحابها. رحم الله شهداء الوطن، وجزاهم عن وطنهم خير الجزاء.

ليس من الإنصاف أن نتحدث عن الشهداء ثم ننسى أن وراء كل اسم عائلة لها حكايتها، وأمًّا تشتاق، وأبناء يكبرون على ذكرى من رحل، وأشخاصًا يبقى غيابه حاضرًا في تفاصيل أيامهم. ومن الوفاء لهم أن نرعى أسرهم، وأن نذكر تضحياتهم بما يليق بها، وأن نفهم أن تقدير الشهداء لا ينتهي عند كلمات الرثاء، بل يمتد إلى الاهتمام بأسرهم، والمحافظة على الوطن الذي أحبوه وأدّوا واجبهم تجاهه.

وما بين من قدّم روحه أثناء أداء واجبه، ومن قدّم من دمه لإنقاذ حياة، تتجلى أمامنا صور مختلفة لقيمة واحدة: أن يشعر الإنسان بمسؤوليته تجاه وطنه ومجتمعه، وأن يقدم ما يستطيع دون انتظار مقابل. لكلٍّ طريقه، ولكلٍّ ما يمكنه تقديمه، لكن الأثر الذي يتركه الإخلاص يتجاوز صاحبه.

لست أكتب هذا المقال لأقول إن السعوديين يحبون وطنهم؛ فبعض المشاهد أبلغ من أن تحتاج إلى شهادة من أحد. أكتبه لأنني أريد لهذه المواقف أن تبقى في ذاكرتنا، وألّا تمر الأيام حتى نعتادها وننسى عظمتها. وأكتبه لأنني أؤمن أن الكتابة ليست وصفًا لما يحدث فحسب، بل محاولة لفهم معناه، والاحتفاظ بما يستحق أن يُروى.

قد تنتهي مشاهد الزحام، وقد يعود كل شخص إلى عمله ومنزله، لكن ما نراه من تكاتف وعطاء يستحق أن يبقى فينا. أن نتذكره حين ننشغل، وحين نختلف، وحين ننسى أن بيننا من قد يحتاج إلى كلمة أو مساعدة أو وقفة صادقة. فالوطن الذي يجمعنا في اللحظات الصعبة يستحق أن نحمل روح تلك اللحظات إلى أيامنا العادية أيضًا.

وإذا سألني أحد يومًا: ما أجمل ما في السعودية؟

فلن أذكر له إنجازًا واحدًا فقط، ولن أختصر إجابتي في مدينة أو معلم أو مشروع، على الرغم من اعتزازي بكل ما يحققه وطني. سأقول له: من أجمل ما في السعودية أن ترى أبناءها يتسابقون إلى الخير حين تدعو الحاجة، وأن ترى إنسانًا يذهب للتبرع بالدم لأنه يستطيع أن يساعد، وآخر يرفع يديه بالدعاء، وثالثًا يسخّر وقته لخدمة المحتاج. كلٌّ منهم يقدم ما يستطيع، لكنهم يجتمعون في معنى واحد؛ أن الخير لا يحتاج دائمًا إلى معرفة سابقة، وأن الإنسانية قادرة على جمع القلوب قبل أن تجمعها الأسماء.

هنا أفهم أن الوطن ليس الأرض وحدها، ولا الراية وحدها، ولا الكلمات التي نرددها في المناسبات. الوطن أيضًا هو الإنسان الذي لا يترك أخاه وحيدًا حين يحتاج إليه، وهو الوفاء الذي يبقى بعد الرحيل، وهو الشعور الذي يجعلنا ندرك أن ما يصيب أحد أبناء هذا الوطن ليس أمرًا بعيدًا عنا.

نحن لا نحب السعودية لأنها وطن نعيش فيه فحسب، بل لأننا نرى في بعضنا بعضًا معنى هذا الوطن. نراه في مواقف العطاء، وفي الوقوف مع المحتاج، وفي الوفاء لمن ضحّوا من أجل أمنه، وفي كل يد تمتد لتخفف عن إنسان ما يمر به.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وحفظ أبناءها وجنودها، ورحم شهداءها، وشفى المصابين، وجزى كل من بادر إلى العطاء خير الجزاء.

وستبقى هذه البلاد، بإذن الله، أكبر من أن تختصرها الأحداث، وأغلى من أن تصفها الكلمات، وسيبقى حبها في قلوب أبنائها فعلًا يتجدد، لا مجرد شعور يُقال.