بقلم /غازي العوني
في زمن السرعة والمنصات، قد يخيل للبعض أن البقاء لمن يملك الصوت الأعلى، أو المنصة الأكثر ضجيجاً. شائعة تنتشر، ومقطع يثير الجدل، وخطاب يستقطب الآلاف في ساعات. لكن الزمن كفيل بكشف الحقيقة البسيطة والعميقة: البقاء الحقيقي لا يكون إلا حليف النوايا الصادقة في الأخير.
النية الصادقة لا تبحث عن تصفيق عابر، ولا عن إثارة مؤقتة. هي نية تعمل بصمت، تبني بوعي، وتحترم الإنسان وقيمه. صاحبها يدرك أن الحرية ليست انفلاتاً من كل ضابط، بل هي مسؤولية معرفية وأخلاقية. أن تقول ما تشاء ليس حرية، بل أن تدرك متى تقول، وكيف تقول، وأين تقول، هو جوهر الحرية الإنسانية.
كثير من الضجيج الذي نراه اليوم هو حرية منزوعة الإنسانية، تقوم على الهوى والعبث والتمرد على العرف الإنساني والسلوك الحضاري. غايتها الإثارة لا البناء، والتشويش لا التوعية. قد تكسب جولة، وقد تجمع جمهوراً، لكنه حضور بلا جذر، تذروه أول حقيقة.
أما النية الصادقة، فهي التي تحمي ولا تستهلك، تحاور ولا تقصي، تلتزم بالنظام وتحترم القنوات الرسمية، وتصون خصوصية الناس وكرامتهم. هي التي تدرك أن بناء المجتمع أهم من كسب الجدل، وأن حفظ الاستقرار أهم من صناعة الترند.
التاريخ لا يحفظ أسماء من أثاروا الفوضى، بل يحفظ من بنوا الوعي. والجمهور قد ينجذب للضجيج لحظة، لكنه لا يثق إلا بالصادق.
قد تتأخر النتائج قليلاً، وقد يعلو صوت العبث قليلاً، لكن النوايا الصادقة لا تخذل أصحابها. لأنها تعمل لله، ثم للوطن، ثم للإنسان. ولذلك، فالأثر الباقي حليفها بالأخير، لا محالة.
*«ليست العبرة بمن يصرخ أولاً، بل بمن يبقى أثره أخيراً»*