الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ اكتوبر-٢٠٢٦       2640

بقلم: ناصر بن سعيد العلي الغامدي 

ليست كلُّ المراثي بكاءً على الراحلين، فبعضها شهادةٌ للتاريخ، وبعضها إنصافٌ لقاماتٍ لم تُدرك الأجيال المتأخرة مقدار ما صنعت، وبعضها الآخر يُعيد تعريف الفقد حين يجعلنا ندرك أن الذين يرحلون بأجسادهم قد تركوا في حياة الناس ما هو أبقى من أعمارهم.

 

لقد قرأتُ هذا النعي، فلم أجدني أمام سيرة رجلٍ مضى فحسب، بل أمام فصلٍ من تاريخ الإنسان والمكان، وأمام جيلٍ لم يكن التعليم عنده وظيفةً تُؤدّى، بل رسالةً تُحمل، ولم تكن المسؤولية منصبًا يُتقلّد، بل أمانةً يُشهد لصاحبها أو عليه. جيلٌ شقَّ الطريق حين كانت البدايات شاقة، وغرس البذور حين لم تكن الثمار قريبة، ثم مضى تاركًا للأجيال ما لا تمنحه الشهادات وحدها، ولا تحفظه المناصب بعد زوالها؛ ترك أثرًا في الإنسان، والإنسان هو الذاكرة الحقيقية لكل حضارة.

 

والأجمل في هذا الرثاء أنه لم يكتفِ بتعداد مناقب الفقيد، بل أعاد إلينا صورة زمنٍ كانت فيه قيمة الرجل تُقاس بما يزرعه في النفوس، وبما يتركه من طيب الذكر، وبما يشهد له به الناس حين يغيب عن أعينهم. فالأسماء قد تتشابه، والمناصب قد تزول، والأعمار مهما امتدّت تنتهي، لكن الفارق العظيم بين إنسانٍ عاش وآخرَ أثّر، أن الأول تطويه الأيام، أما الثاني فتظل الأيام تروي سيرته.

 

رحم الله الأستاذ أحمد المليص، ورحم أخاه الشيخ سعد، وجزاهما عن العلم وأهله، وعن الأجيال التي أسهما في بنائها، خير ما يُجزى به المحسنون. وجعل ما قدّماه من علمٍ وأثرٍ وذكرٍ حسنٍ في موازين أعمالهما، وأبقى لأهلهما ومحبيهما عزاءً يليق بما تركاه من سيرةٍ طيبة.

 

أما كاتب هذا النعي، فقد أحسن حين جعل من الرحيل نافذةً نطلّ منها على معنى البقاء؛ إذ ليس الوفاء أن نُحصي ما فقدناه في الراحل، بل أن نُدرك ما بقي منه فينا.

 

فطوبى لمن رحل وقد ترك في ذاكرة الناس ما يستحق أن يُروى، وفي قلوبهم ما يستحق أن يُحفظ، وفي تاريخ منطقته ما يستحق أن يُكتب بماء الوفاء.

 

رحم الله الراحل، وبارك في القلم الذي أنصفه؛ فهناك أقلامٌ تكتب عن الموتى، وأقلامٌ تكتب لتمنع موتَ أثرهم، وهذا من الصنف الثاني.