بقلم :مبارك بن عوض الدوسري
ليس كل من يرحل يغيب، فبعض الرجال يتركون بعد رحيلهم حضوراً لا يغادر الذاكرة، وأثراً لا تطويه الأيام، وسيرةً تبقى حاضرة في قلوب من عرفوهم وتعلموا منهم وعاشوا بالقرب منهم؛ ومن هؤلاء فقيد التربية والتعليم في وادي الدواسر الأستاذ فهد بن محمد أحمد الأحمد اللويمي، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى في الرياض يوم الأحد 23 ربيع الآخر 1448هـ الموافق 4 أكتوبر 2026م، عن عمر ناهز 82 عاماً، بعد رحلة من العطاء امتدت سنوات طويلة، ترك خلالها في التعليم والمجتمع والناس أثراً يصعب اختصاره في كلمات الرثاء.
وللفقيد في نفسي مكانة تتجاوز حدود الذكريات؛ فقد كان أول معلم لي في الصف الأول الابتدائي بمدرسة النويعمة الابتدائية عام 1389هـ؛ فعلى يديه بدأت أتعلم القراءة والكتابة، ومن تلك الخطوات الأولى التي خطوتها في عالم التعليم بدأت رحلة طويلة من العمر، ولذلك فإن الحديث عنه بالنسبة لي ليس حديثاً عن معلم عابر في مسيرة التعليم، بل عن رجل كان له فضل مبكر في تشكيل جانب من حياتي، وفضلاً سيظل محفوظًا في القلب ما بقيت الذاكرة.
كان الأستاذ فهد اللويمي واحداً من أعمدة التعليم في وادي الدواسر، ومن خيرة رجالات التربية الذين أدوا رسالتهم بإخلاص، وعرفوا التعليم مسؤولية وبناءً للإنسان قبل أن يكون وظيفة؛ فقد عمل في التدريس في السليل ووادي الدواسر، وتولى إدارة عدد من المدارس، من بينها مدرسة القويز، ومدرسة النويعمة الابتدائية، ومدرسة تحفيظ القرآن الكريم المتوسطة والابتدائية بالنويعمة، فكان قائداً تربوياً حاضراً، يجمع بين الحزم والحكمة، وبين الإدارة والاحتواء، ويعرف كيف يصنع من المدرسة بيئةً للتربية والتعليم، لا مجرد مكان لتلقي الدروس؛ وكانت سيرته القيادية حديثاً متداولاً في مجالس وادي الدواسر، بما عرف عنه من رجاحة عقل وحسن تقدير وقدرة على معالجة المواقف بحكمة واتزان؛ فلم يكن حضوره مرتبطاً بموقع إداري أو مسمى وظيفي، بل بما امتلكه من شخصية مؤثرة جعلت كثيراً من أبناء مجتمعه يعودون إليه في الرأي والمشورة، ويجدون في كلمته ما يعينهم على اتخاذ القرار، ولا سيما في كل ما يتصل بالنويعمة وتطورها ونمائها ومستقبلها.
وفي الجانب الإنساني، كان الكرم والسخاء من أبرز ما عُرف به، فقد كان يرى في إكرام الناس خلقاً أصيلاً لا مناسبة له ولا حدود؛ فبابه مفتوح، ومجلسه عامر، ويده سباقة إلى الخير، وكل من عرفه يذكر له موقفاً أو كلمة أو معروفاً بقي أثره في النفس؛ كما كان كريماً في عطائه، كريماً في مشاعره، كريماً في استقباله للناس، وكأن الكرم عنده لم يكن فعلاً يؤديه، بل طبعاً يسكن شخصيته؛ وكان رحمه الله علماً من أعلام مركز النويعمة وركناً من أركانها الاجتماعية، يعرف أهلها ويعرفونه، ويشعر بمسؤولية تجاه مكان نشأته وأهله ومجتمعه؛ كما تولى الإمامة في مسجد آل أحمد أعواماً عديدة، فجمع بين رسالة التعليم ورسالة المسجد، وبين بناء الإنسان علمياً وتربيته إيمانياً واجتماعياً.
وقد حمل الفقيد في قلبه جرحاً عميقاً برحيل ابنه الأكبر سعيد عام 1444هـ، في وفاة مفاجئة أوجعت قلب الأب، وظلت آثارها حاضرة في وجدانه.؛ ولعل من أصعب ما يمر به الإنسان أن يفقد فلذة كبده، لكن عزاءه أن ابنه أصبح في رحمة أرحم الراحمين، وأن ما عند الله خير وأبقى، وأن الصبر عند البلاء باب عظيم من أبواب الأجر.
وفي آخر سنوات حياته انتقل إلى الرياض، لكنه لم ينتقل من قلوب الناس؛ فقد بقي محط تقدير أقاربه وزملائه وطلابه ومعارفه، وكان بابه مفتوحاً لكل من أراد السلام عليه والاطمئنان إلى صحته، يتوافد إليه من عرف فضله ومكانته، فيجدون في استقباله ذلك الوجه البشوش والخلق الكريم الذي ألفوه منه طوال عقود.
ومن المفارقات المؤثرة أن الصلاة عليه أقيمت في جامع البواردي بحي العزيزية بالرياض يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026م، في اليوم العالمي للمعلم؛ وكأن المناسبة جاءت لتستعيد سيرة رجل أفنى جانباً كبيراً من عمره في ميدان التعليم، وعلّم أجيالاً من أبناء وادي الدواسر والسليل، وكان واحداً من أولئك المعلمين الذين لا تنتهي رسالتهم بانتهاء سنوات الخدمة، لأن ما يغرسونه في نفوس طلابهم يبقى معهم العمر كله؛ ثم ووري جثمانه الثرى في مقبرة المنصورية جنوب الرياض، وسط جمع كبير من المصلين والمشيعين، في مشهد يختصر شيئاً من المحبة التي تركها في نفوس الناس.
رحم الله فهد اللويمي؛ المعلم الذي علّمنا الحروف، والمربي الذي علّم أجيالاً معنى المسؤولية، والرجل الذي عرفه الناس بالكرم والحكمة وحسن السيرة... رحم الله من كان حضوره يبعث الطمأنينة، ومجلسه يجمع القلوب، وكلمته تُطلب للمشورة، وذكراه اليوم تستدعي الدعاء قبل أي حديث آخر.
عزاؤنا لأسرته الكريمة، ولأبنائه وأحفاده وأقاربه، ولعموم اللواما، ولأهل النويعمة ووادي الدواسر، ولكل تلاميذه ومحبيه ومن عرفوا فضله؛ وعزاؤنا لأنفسنا نحن الذين تعلمنا منه، وعرفناه معلماً وقدوةً ورجلاً كريماً من رجال الزمن الجميل.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وارفع درجته في المهديين، واجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا... اللهم اجبر قلوب أهله ومحبيه، واربط على قلوبهم بالصبر والرضا، واجعل ما قدمه من علم وتربية وإحسان وطيب أثر في موازين حسناته.
رحم الله أبا سعيد، فقد رحل الجسد، وبقي الأثر، وبقيت الحروف التي علّمنا إياها، وبقيت مواقف الرجال في ذاكرة من عرفوهم، وبقي الدعاء أجمل وفاء لمن ترك في الحياة أثراً طيباً لا يموت.