الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ سبتمبر-٢٠٢٦       2640

بقلم- عبد الناصر بن علي الكرت 

ليست كل الأماكن تحتاج إلى كثير من الوصف، فبعضها تتولى الطبيعة مهمة الحديث عنها.
ومن تلك الأمكنة الرائعة التي حباها الله جمالاً أخّاذاً وطبيعة فاتنة ومناظر آسرة، منطقة الباحة..التي يشعر من يصل إليها بأنه جزء من مشهد حيّ تتعانق فيه الأرض والسماء، حيث تتكفّل الجبال والغابات والضباب والماء بقول بما تعجز عنه الألسنة!
كونها من أجمل الوجهات السياحية الراقية، تبدو كلوحة فنية متكاملة، اجتمعت فيها كل عناصر الجمال..المتمثلة في الاخضرار والأمطار، وتآلف فيها عبق التاريخ مع سحر الطبيعة وهدوء المكان.
وفي الباحة تتعدّد الصور بجماليّاتها المدهشة، فمن قمم السراة إلى السفوح والوديان، ومن الغابات الوارفة إلى الشلالات المتدفقة وجداول المياه الرقراقة، ومن المدرجات الزراعية إلى القرى التراثية ذات المباني الحجريّة..تمثل لوحة طبيعية متباينة التفاصيل موحدة الإحساس.
ولعل أكثر ما يميزها ذلك الغطاء النباتي الوفير، وكثرة الغابات التي تكسو جبالها وسفوحها، بأشجار العرعر والطلح والزيتون البري (العتم) وغيرها من الأشجار والشجيرات والنباتات المختلفة، التي تمنح المكان لونه وعبقه وخصوصيته.
وفي قلب هذه اللوحة تقف غابة رغدان شامخة، كواحدة من أبرز معالم منطقة الباحة ووجهاتها السياحية، بما تمتلكه من جمال طبيعي وإطلالات آسرة وأجواء ساحرة، وقد أضافت إليها أعمال التطوير والخدمات والمرافق مزيداً من الجاذبية، حتى أصبحت المنتزه الأجمل على مستوى دول الخليج فغدت مقصداً للزائرين ومتنفساً لأهالي المنطقة والمصطافين والسياح.
ولا تقف الحكاية عند غابة رغدان وقريتها التراثية وسوقها التاريخي فقط. فقريباً منها منتزه الحسام بتشكيلاته البديعة ومنتزه الأمير مشاري في بني حسن بمزاياه المتعددة، وسائر الغابات والمنتزهات المنتشرة في محافظات المنطقة، من برحرح شمالاً إلى قذانة وشرى جنوباً تشكل سلسلة من الجمال الأخضر الذي يمنح الباحة حضورها السياحي المتفرد.
وقد نال هذا الجمال الطبيعي مزيداً من الاهتمام فقد امتدت إليه يد التنمية بالعناية والتطوير، وتواصلت الجهود للارتقاء بالخدمات والمرافق واستثمار المقومات السياحية بما يليق بمكانة المنطقة وإمكاناتها. وفي هذا السياق يبرز ما تشهده الباحة من حراك تنموي متواصل في ظل متابعة واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز أمير المنطقة، ومؤازرة سمو نائبه الأمير فهد بن سعد بن عبدالله بما يعكس رؤية تسعى إلى تحويل المقومات الطبيعية والتراثية من مجرد عناصر للجمال إلى روافد حقيقية للتنمية والسياحة والاقتصاد المحلي.
ولأن الباحة لا تشبه غيرها، فإن جمالها لا يتوقف عند الطبيعة، إذ وهبها موقعها وتضاريسها تنوعاً مناخياً نادراً، فهي ثلاثة أقاليم في مكان واحد: السراة وتهامة والبادية، وثلاثة وجوه للطقس والطبيعة.
ففي مرتفعات السراة التي تضم محافظات الباحة وبلجرشي والمندق والقَرى وبني حسن، يجد المصطاف في الصيف أجواء لطيفة ونسائم عليلة، بينما تستقبل تهامة الشتاء بدفئها وشمسها، في محافظات المخواة وقلوة وغامد الزناد والحجرة، فيما يمنح قطاع البادية في محافظة العقيق ملامح مختلفة وفضاءً رحباً يضيف إلى المشهد تنوعاً آخر.
وهكذا تبدو الباحة وجهة لا ترتبط بموسم، فهي مصيف في الصيف ومشتى في الشتاء ومتنفس في كل الفصول. والحقيقة أن الطبيعة فيها ليست سوى نصف الحكاية، أما النصف الآخر فهو التاريخ!!
فهنا قرى تراثية تقاوم النسيان، ومواقع أثرية تختزن ذاكرة الإنسان، ونقوش صخرية تفتح نوافذ على أزمنة بعيدة، ومسارات قديمة عبرتها القوافل والجيوش.
وتبقى قرية ذي عين التراثية واحدة من أكثر الشواهد حضوراً، بما تمنحه من مشهد استثنائي يتداخل فيه البناء الحجري مع الجبل المرمري ومزارع الموز والكادي وجدول الماء المنبجس من بين الصخور، حتى تبدو القرية وكأنها معلقة بين التاريخ والطبيعة.
وفي جبل شدا الشهير، بما يختزنه من تكوينات صخرية وكهوف ونقوش وكتابات ورسوم صخرية قديمة، تتسع دائرة الدهشة، بينما يستعيد طريق الفيل ذاكرة واحدة من أشهر الوقائع التاريخية المرتبطة بجيش أبرهة، الذي قصد البيت الحرام، فرده الله عن مكة المكرمه، وخلد القرآن الكريم قصته في سورة الفيل.
وما هذه المواقع إلا صفحات من كتاب طويل، تنتشر فصوله في أنحاء المنطقة، وتكشف عن تاريخ عريق يستحق أن يُقرأ ويُروى ويُستثمر سياحياً وثقافياً.
ولعل موقع الباحة المتوسط بين الطائف وأبها يشكل ميزة إضافية، فهي بمثابة واسطة عقد بين وجهتين سياحيتين بارزتين، وقد عزّزت شبكة الطرق الحديثة سهولة الوصول إليها من جميع جهاتها. فيما يمثل مطار الملك سعود بالباحة بوابة جوية مهمة، مع ما تشهده منظومة النقل والخدمات من تطور مستمر يواكب طموحات المنطقة السياحية.
كما أن تعدد خيارات الإقامة، من الفنادق والوحدات السكنية والأكواخ، إلى جانب المطاعم والمقاهي والأسواق والمزارع السياحية والخدمات المختلفة، جعل زيارة الباحة أكثر سهولة وراحة، وفتح المجال أمام السائح ليطيل إقامته ويكتشف تفاصيلها بدل أن يمر بها مروراً عابراً.
ثم تأتي المنتجات الزراعية لتكمل المشهد، فرمان بيده وبنّ شدا وعنب العسلة وحنطة بيضان ولوز جافان وقبلها عسل الباحة المعروف، فهي ليست مجرد منتجات محلية، بل مذاقات تحمل شيئاً من هوية المكان، وتمنح الزائر ذكرى يمكن أن يأخذها معه إلى ما بعد الرحلة.
وكلما اتسعت دائرة التنمية، واتصلت الخدمات بالمقومات الطبيعية، وتحولت المواقع الجميلة إلى وجهات مكتملة العناصر، أصبحت الباحة أكثر قدرة على المنافسة في خارطة السياحة السعودية، مستفيدة من توجه المملكة نحو تنويع الوجهات السياحية واستثمار ما تملكه مناطقها من ثروات طبيعية وتراثية.
وهنا تكمن قيمة ما تشهده المنطقة من جهود تنموية، فالمطلوب ليس أن تتغيّر الباحة حتى تصبح جميلة، فهي جميلة منذ أن عرفها أهلها، وإنما أن تُصان جمالياتها وتُستثمَر مقوماتها وتُطوّر خدماتها وتُفتح كنوزها أمام الزائر. دون أن تفقد روحها.
ولذلك فإن الإقبال المتزايد على الباحة من داخل المملكة وخارجها ليس أمراً مستغرباً، فالناس اليوم لا يبحثون عن المكان الجميل فقط، وإنما عن تجربة متكاملة: طبيعة تستريح إليها العين، وهواء ينعش الصدر، وتاريخ يوقظ الذاكرة، وطعام يحمل نكهة الأرض، وهدوء يمنح النفس فرصة لاستعادة توازنها.
الباحة ليست مجرد وجهة سياحية بل حالة من الجمال،
هي جبل يعلو بك عن صخب الحياة، وغابة تفتح لك ذراعيها بحنان، ونسيم يصافح الوجوه وضباب يمر كأنه حلم عابر، ومطر يطرق النوافذ بإيقاع حميم، وقرية قديمة تروي ما لم تكتبه الكتب، وشجرة عرعر تقف شاهدة على تعاقب السنين.
هي المكان الذي لا يكتفي بأن تراه، بل يترك فيك شيئاً منه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن الباحة أن زائرها لا يعود منها بالصور وحدها، بل يعود بشيء من الراحة التي يبحث عنها. بشيء من الحنين إلى مكان شعر فيه ولو لساعات أن الحياة يمكن أن تكون أكثر هدوءاً وجمالاً.
وهنا، على سفوح الجبال وبين الغابات والضباب، تواصل الباحة كتابة قصيدتها: قصيدة بدأتها الطبيعة لترسم يد التنمية حروفها وتنسج خيوطها وتصقل خطوطها .. لتبقى الباحة واحدة من صفحات المملكة الجميلة وأكثرها وعداً بالمستقبل السياحي الأجمل.