الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ سبتمبر-٢٠٢٦       6435

بقلم ـ أحمد صالح الحلبي

برعاية خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله -، وتحت شعار "التميُّز والتكامل في منظومة خدمات الحج والعمرة"، نظمت جامعة أم القرى ممثَّلةً في معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة أعمال الملتقى العلمي السادس والعشرين لأبحاث الحج والعمرة والزيارة، خلال الفترة من 1 ــ 3 سبتمبر 2026 م . 

وقبل الحديث عن الملتقى وفعالياته وما حمله من جلسات علمية وبحوث ،  مشاريع ابتكارية  ، وقفت متذكرا تلك العبارة القائلة : " الذاهب إلى الحج مفقود، والعائد منه مولود " ، والتي تترجم معاناة القادمين لأداء فريضة الحج ، إذ كانت الرحلة شاقة وتستغرق شهوراً طويلة للوصول تبدأ من شهر شوال ، وقد يتمكن الراغب في الحج من أداء فريضته أو يسبقه الموت جوعا أو قتلا . 

وهذه المشاهد صوّرها الرحالة الروسي المسلم عبد العزيز دولتشين في كتابه «الحج قبل مئة عام»، في رحلته للحج بدأ الحج من جدّة إلى مكة المكرمة ، ويتحدث عن قلة المياه وأثرها على الحجاج ، قائلا : «نسير منذ خمس ساعات، أنا ملتفّ بثوب الإحرام، مكشوف الرأس؛ أخذ عطش رهيب يُعذّبني، جفّ فمي كله، لا أستطيع تحريك لساني. الطريق يستمر بين صخور جرداء، وأحيانا تقع العين على أدغال عالية من الشوك».

غير أن الخطر الأكبر الذي كان يتهدد الحجاج في أثناء رحلتهم للأراضي الحجازية، هو عصابات قُطّاع الطرق الذين يتربصون بهم من أجل نهب أمتعتهم، ولا يتورعون عن قتلهم لأتفه الأسباب ، فضلا عن هذه المخاطر الأمنية، كان الحجاج يتعرضون في سفرهم أحياناً لبعض الكوارث الطبيعية، مثل العواصف والبرد القارس والسيول الجارفة. 

وذكر «ابن الجوزي» في كتابة مرآة الزمان» أن قافلة الحجاج الشامية سنة 692 هـ تعرضت لرياح عظيمة وبرد ومطر، وهلك الناس، وحملت الريح أمتعتهم وثيابهم، وحصلت لهم مشقة عظيمة. وفي سنة 1196هـ، اجتاحت قافلة الحج المصرية أثناء سيرها في الطريق بين مكة والمدينة سيل قضى على نصف الحجيج " ، تلك كانت معاناة الحجاج . 

واليوم نرى معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة والزيارة ، يعمل على إقامة ملتقيات علمية تناقش تطوير الخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين والزوار ، ومنها الملتقى العلمي السادس والعشرين لأبحاث الحج والعمرة والزيارة، المقام تحت شعار "التميُّز والتكامل في منظومة خدمات الحج والعمرة"، 

وقبل الحديث عنه وما تضمنه من جلسات وبحوث ودراسات علمية ، فلابد من وقفة أمام منافسات 'حجاثون 4'، التي جاءت ضمن الفعاليات المصاحبة للملتقى ، وشهدت مشاركة مجموعة من المبتكرين والمهتمين بتطوير الخدمات المقدَّمة لضيوف الرحمن، الذين عملوا على ابتكار حلول نوعية ضمن مسارات شملت: مسار التقنية والذكاء الاصطناعي، مسار الهندسة والبنية التحتية، مسار الرعاية الصحية، مسار التوعية وإدارة الحشود؛ بهدف الإسهام في رفع جودة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، وتعزيز الوعي والسلامة، وتحسين انسيابية حركة الحشود.

وخاض المشاركون رحلة ابتكارية متكاملة، تضمنت عددًا من ورش العمل والجلسات الإرشادية؛ لإثراء معارفهم، وتطوير مهاراتهم، ومساعدتهم على تحويل أفكارهم الإبداعية إلى مشاريع قابلة للتطوير والتطبيق، واختُتمت المنافسات بعرض المشاريع المتأهلة أمام لجنة التحكيم، التي قيّمتها وفق مجموعة من المعايير.

وتُوِّجت الفرق الفائزة وهي: فريق 'كربون كاست' من مسار الهندسة والبنية التحتية، وفريق 'امتثال' في مسار التقنية والذكاء الاصطناعي، وفريق 'طوارئ' عن مسار الرعاية الصحية، وفريق 'منصة رصد' من مسار التوعية وإدارة الحشود.

فيما بلغ عدد المتقدمين أكثر من (400) متقدم، تشكلوا في (176) مشروعًا ابتكاريًّا، تأهل منها (12) فريقاً إلى التصفيات النهائية، وتوزعت المنافسة على (4) مسارات رئيسة. كما شارك في حجاثون4 (35) مرشدًا ومدرِّبًا، و(12) محكمًا من الخبراء والمتخصصين في قطاع الحج والعمرة، وانتهى التحدي بتتويج (4) فرق فائزة ابتكرت حلولاً نوعية تدعم منظومة الحج والعمرة.

أما المشاريع الابتكارية المعروضة فتجعلنا نقف أمامها لا لنطلع عليها بل لنعود لسنوات قلائل مضت نستقرئ ما حملته من نقلة في مجال خدمات الحجاج ، ترجمتها العديد من المشاريع الابتكارية التي يصعب حصرها وذكرها وحصرها في مساحة محددة . 

واليوم نرى مشروع «رحلة حاج عبر الزمن»، الذي يأخذك في رحلة مميزة تستعرض خلالها تجربة الحاج عبر الزمن، وتتعرف على جوانب من تاريخ الحج ورحلة ضيوف الرحمن بأسلوب يجمع بين المعرفة والتجربة والإثراء.

وما جذبني نحو الابتكار ومشاريعه (ممشى الحجاج الذكي بالمشاعر المقدسة) ، للمستشار المهندس المعتمد/عصام بن محمد نور بن أحمد شاولي ، يهدف لتطوير طريق المشاة الممتد من ( عرفات ، مزدلفة ، منى ) حتى منطقة المسجد الحرام ، كممشى ذكي مزود بكل التقنيات الحديثة والمتطورة ونظم إنتاج الطاقة الكهربائية بالطاقة النظيفة والمتجددة، واللازمة لتشغيل الممشى من نظم التكييف وأجهزة شفط الهواء المستهلك والخدمات المساندة الأخرى، وكذلك مزود بأنظمة ذكية لتصنيف النفايات من المصدر، وبالتالي سهولة إعادة تدويرها، وأيضا مزود بأنظمة لتصريف مياه الأمطار، وبالنسبة لسقف الممشى مصمم بشكل مثلث مزود بمراوح لشفط الهواء ونظام تكييف للهواء يعمل بالماء المعالج( بالاستفادة من مياه الوضوء للحجاج والفائض من مياه الشرب ببرادات تبريد الماء ومعالجتها معالجة أولية)، لضخ هواء بارد من الأعلى للأسفل لجودة هواء أعلى لراحة الحجاج، ومزود بأنظمة تقنية (حساسات) لضبط درجة الحرارة والرطوبة داخل الممشى الذكي بشكل مستمر ومزود أيضا بأنظمة آلية لاكتشاف وإطفاء الحرائق آليا لا قدر الله_ ،وكذلك هناك على جوانب الممشى من اليمين واليسار_ اللوحات الكهربائية الذكية التي تبث رسائل التوعية والتثقيف والإرشادات الصحية واللوحات الدعائية الرقمية لتوفير رحلة حج مريحة وصحية وآمنة، وجودة حياة أعلى، وبالتالي تجربة حج أفضل، ورفع نسبة رضا الحجاج بعد أدائهم لفريضة الحج، وكذلك تنظيم أفضل لتدفق الحشود بسلاسة وأمان واطمئنان ويسر أثناء انتقالهم مشيا على الأقدام بالممشى الذكي . 

وفي الختام أقول إن خدمة الحجاج والمعتمرين والزوار لا تنحصر في العمل على رفع أعدادهم ، أو زيادة الرقعة السكنية لهم بمكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة ، ولا في توفير خدمات النقل والاعاشة ، لكنها ترتبط بتطوير وتحديث الخدمات والمرافق ، وإطلاق المبادرات ، وهي ما ترجمها برنامج خدمة ضيوف الرحمن ، الذي دشنه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ـ يحفظه الله ـ يوم الأربعاء 24 من شهر رمضان المبارك لعام 1440هـ ، كأحد برامج تحقيق رؤية السعودية 2030م . 

 

 

    @ashalabi1380