الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ سبتمبر-٢٠٢٦       2200

بقلم ـ جمعان الكرت 

أبدى عدد من الشعراء الشعبيين في منطقة الباحة تذمرهم من تنامي ما يمكن تسميته بـ«سماسرة العرضة»، وما يرونه من تأثير متزايد لهم في اختيار الشعراء وإدارة بعض المناسبات الشعبية. ويرى هؤلاء أن الأمر في بعض الحالات لم يعد قائمًا على الكفاءة الشعرية وحدها، وإنما دخلت فيه اعتبارات أخرى، من بينها العلاقات الشخصية، والشللية، والمجاملات، وربما المصالح المتبادلة.
وقد عبّر عدد من الشعراء عن هذا الاستياء، ومن بينهم الشاعر الكبير مبارك أبو علاج، الذي أشار في حديث له عبر حسابه الشخصي إلى هذه القضية. ومن وجهة نظري، فإن ما يطرحه يستحق التوقف عنده ومناقشته بهدوء، ليس دفاعًا عن شاعر بعينه، ولا هجومًا على طرف بعينه، وإنما بحثًا عن مصلحة العرضة الشعبية، باعتبارها موروثًا ثقافيًا وفنيًا مهمًا يستحق أن يحافظ على مكانته.
المشكلة، في تقديري، لا تكمن في وجود شخص يساعد صاحب المناسبة في التواصل مع الشعراء أو ترتيب فقرات العرضة، فهذا أمر طبيعي وقد يكون مطلوبًا أحيانًا، خصوصًا في ظل انشغال صاحب المناسبة وكثرة التفاصيل المرتبطة بإقامة المناسبة.
لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول دور الوسيط من منسق ومساعد إلى شخص يملك سلطة تحديد من يشارك ومن يُستبعد، ومن يصلح لإحياء المناسبة ومن لا يصلح، اعتمادًا على علاقاته الشخصية وانطباعاته الخاصة، أو على ما يحقق له مصلحة معينة.
وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية؛ لأن صاحب المناسبة غالبًا ما يكون منشغلًا بالتحضير والتجهيز، وقد أنفق مبالغ كبيرة على الشعراء والمشاركين وأصحاب الزير وغيرهم، ويرغب في أن تظهر المناسبة بالشكل الذي يليق بها. ولذلك فإنه قد يمنح ثقته الكاملة لمن يعتقد أنهم يملكون الخبرة الكافية لإنجاح العرضة.
وهذه الثقة، إذا لم تكن في محلها، قد تتحول من وسيلة للمساعدة إلى مدخل للتأثير في القرار.
أعتقد أن القضية تتعلق بثلاثة أطراف رئيسية، وكل طرف يتحمل جانبًا من المسؤولية.
صاحب المناسبة هو الطرف الأول والأهم؛ لأنه صاحب القرار والمال، وهو الذي يبحث في النهاية عن نجاح مناسـبته وظهورها بصورة مشرفة.
ومن هنا أرى أن جزءًا من المسؤولية يقع عليه، عندما يترك زمام اختيار الشعراء بالكامل لأشخاص قد تكون لهم حساباتهم الخاصة.
ليس المقصود أن يتحول صاحب المناسبة إلى ناقد للشعر أو خبير في العرضة، وإنما أن يكون لديه قدر من الوعي يجعله يسأل ويستمع إلى أكثر من رأي، وألا يجعل رأي شخص واحد هو الفيصل النهائي في اختيار المشاركين.
فالمناسبة التي يدفع صاحبها مبالغ كبيرة لإقامتها تستحق أن يكون القرار فيها قائمًا على الكفاءة والقدرة والحضور والسمعة الفنية، وليس فقط على ما يقوله وسيط أو سمسار.
أما الطرف الثاني فهم الشعراء أنفسهم.
والشاعر المتمكن، في تقديري، يجب ألا يسمح بأن يصبح حضوره مرتبطًا بوجود سمسار أو وسيط. فالشاعر الجيد تفرضه موهبته وتجربته وحضوره، وتعرفه الساحة قبل أن يحتاج إلى من يقدمه للناس.
وقد يكون من الطبيعي أن يستعين الشاعر بعلاقات اجتماعية أو بأشخاص يساعدونه في الوصول إلى المناسبات، لكن الخطورة تكمن عندما يصبح الوصول إلى المناسبة مرتبطًا بشكل شبه كامل بشخص بعينه، وكأن المشاركة لا تتم إلا من خلاله.
والشاعر الذي يمتلك الموهبة والخبرة والثقة بنفسه يستطيع أن يثبت وجوده في العرضة، سواء وجد وسيطًا أم لم يجد.
كما أن على الشعراء أنفسهم أن يتحلوا بالوعي وألا يدخلوا في صراعات شخصية مع من يختلفون معهم، لأن الهدف في النهاية ليس انتصار شاعر على شاعر، وإنما نجاح العرضة وارتفاع مستوى هذا الفن الشعبي.
أما الطرف الثالث، وهم من يطلق عليهم البعض «سماسرة العرضة»، فإن دورهم يحتاج إلى قدر كبير من الوضوح.
فإذا كان دور الشخص هو التنسيق والتواصل وترتيب الحضور، فهذا عمل مفهوم ومقبول، وقد يكون مفيدًا لصاحب المناسبة والشعراء على حد سواء.
أما إذا تحول هذا الدور إلى التحكم في قائمة المشاركين، وتفضيل شاعر على آخر لأسباب لا علاقة لها بالمستوى الشعري، أو نقل صورة مبالغ فيها عن شاعر معين، إيجابًا أو سلبًا، فهنا تبدأ المشكلة.
والأخطر من ذلك أن يتحول الشخص إلى بوابة لا يمكن الوصول إلى المناسبة إلا من خلالها.
عندها لا تعود القضية مجرد تنسيق، وإنما تصبح تأثيرًا مباشرًا في المشهد الشعري، وقد يؤدي ذلك مع مرور الوقت إلى إبعاد شعراء متمكنين، وإعطاء مساحة أكبر لشعراء آخرين لا لشيء إلا لأن خلفهم علاقات أقوى أو وسطاء أكثر حضورًا.
العاطفة لا ينبغي أن تكون معيارًا
أحد أبرز الإشكالات التي أرى ضرورة التوقف عندها هو تغليب العاطفة على المعايير الفنية.
قد يكون السمسار محبًا لشاعر معين، أو تجمعه به صداقة أو قرابة أو مصلحة، فيراه الأفضل دائمًا، وينقل عنه صورة إيجابية مبالغًا فيها. وفي المقابل، قد تكون لديه مواقف شخصية من شاعر آخر، فينقل عنه صورة سلبية أو يقلل من إمكاناته.
وهنا يصبح صاحب المناسبة أمام صورة غير مكتملة، وربما غير دقيقة.
ولأن صاحب المناسبة ليس بالضرورة متخصصًا في الشعر الشعبي أو العرضة، فقد يبني قراره على المعلومات التي يسمعها من هؤلاء الوسطاء.
وهذا تحديدًا ما يجعل المسؤولية كبيرة؛ لأن الكلمة التي يقولها الوسيط قد تحرم شاعرًا من مناسبة، وقد تمنح آخر فرصة لا يستحقها بالضرورة.