الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ سبتمبر-٢٠٢٦       2695

بقلم ـ د.نجوى الكحلوت

في الحياة فرصٌ كثيرة تمرّ بنا، بعضها نراه ولا نلتفت إليه، وبعضها نشعر به ثم نؤجّل، وقليلٌ منها يتحوّل إلى خطوةٍ حقيقية. وبين الرؤية والخطوة تولد المبادرة؛ تلك القدرة التي تجعل الإنسان شريكًا في صناعة ما يريد.

ليس المطلوب في  المبادرة  أن تكون سبّاقًا إلى فعل شيء، وإنما أن تمتلك وعيًا يجعلك ترى الحاجة قبل أن تتحول إلى مشكلة، وترى الفرصة قبل أن تفوت، ثم تتحرك في الوقت المناسب. ولذلك ترتبط  المبادرة  بالشجاعة والمسؤولية والوعي، فهي قرار داخلي يقول: أستطيع أن أفعل شيئًا، ثم يحوّل هذه القناعة إلى فعل.

وفي بيئات العمل والتعليم والمجتمع، تبدو قيمة  المبادرة  أكثر وضوحًا؛ فالمؤسسات لا تتقدم بكثرة من ينتظرون التعليمات، وإنما بكثرة من يفكرون، ويقترحون، ويبحثون عن الحلول، ويتحملون مسؤولية ما يقترحون. وقد تكون  المبادرة  فكرة صغيرة، أو تحسينًا بسيطًا في إجراء، أو مساعدةً يحتاج إليها شخص، لكنها قد تفتح بابًا واسعًا من التغيير.

وللمبادرة أثرٌ فاعل في حياة المبادر نفسه، يتعلم من التجربة، ويكتشف ذاته، ويصبح أكثر ثقة بقدرته على التأثير. أما الانتظار المستمر فيجعل الإنسان أسير الظروف، يعلّق أفعاله على الآخرين، حتى إذا ما فات أمرا عاتب القدرَ.

وإذا كانت  المبادرة  قيمةً نحتاج إليها في شؤون حياتنا، فإن معناها يمتد إلى ما هو أبعد من العمل والإنجاز؛ إلى علاقتنا بالله أيضًا.

ففي العبادة، ثمة فرق بين أن يؤدي الإنسان ما أوجب الله عليه، وأن يبحث بنفسه عن أبواب أخرى للقرب. الفرائض أداءٌ لما افترضه الله، أما النوافل ففيها معنى المبادرة: أن يخطو العبد خطوةً إضافية نحو ربه. وفي الحديث القدسي تجلٍ لمعنى  المبادرة  ومنزلتها في القرب من الله: "وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه". وكأن  المبادرة  في العبادة تعلّمنا أصلًا مهمًا في الحياة: لا تنتظر دائمًا أن يُطلب منك الخير. بادر إليه.

في العمل، قد تكون  المبادرة  فكرةً تطوّر إجراءً، أو ملاحظةً تمنع خطأ، أو اقتراحًا يختصر وقتًا وجهدًا. وفي الأسرة قد تكون سؤالًا صادقًا عن حال أحدهم، أو التفاتةً لم ينتظرها أحد. وفي المجتمع قد تكون مشروعًا يبدأ صغيرًا ثم يتسع أثره.

حتى في المعرفة، هناك مبادرة: أن تقرأ لأنك تريد أن تعرف، وأن تتعلم لأنك تؤمن أن في كل معرفة جديدة مساحةً أوسع من النضج. ولعل أجمل ما في  المبادرة  أنها لا تحتاج دائمًا إلى إمكانات كبيرة؛ فقد تبدأ بكلمة، أو خطوة، أو فكرة، أو يد تمتد في الوقت المناسب. وقد يكون أثرها أكبر مما نظن، لأننا لا نعرف دائمًا إلى أين يمكن أن تصل خطوة واحدة بدأناها بنية صادقة.