حوار - حسين السنونه
يقول الكاتب والناقد المسرحي العماني هلال البادي لصحيفة "النهار" ربما الحديث عن المسرح العماني من شخص متابع له، وما يحتاجه ليتطور أكثر، يبدو حديثا مستهلكا، فحتى الآن نكرر الكلام بحاجتنا لوجود حراك تطويري، بينما التجربة المسرحيّة العمانية تعود في الزمن إلى أواسط القرن العشرين، إلى الخمسينيات من القرن الماضي، عندما كانت تقدم عروض مسرحيّة طلابية في أحياء مسقط، وعلى خشبة الأندية الرياضية، ومنذ ذلك الوقت ونحن ننادي بتطوير المسرح في عمان.. أعتقد أن الأسئلة المهمة هي: هل لدينا ثقافة مسرحيّة؟ هل يعي المشتغلون بالمسرح بماهية ما يشتغلون عليه؟ هل الشباب الحاليون يفهمون طبيعة وأدوار المسرح؟ هل الممارسة المسرحية الحالية هي ممارسة صحيحة؟ إلى أي مدى أن ما نقدمه من تجارب مسرحية قادر على البقاء؟ أعتقد أن القراءة والتثقيف المسرحيّ وتعميقهما هو الذي يحقق تطويرا حقيقيا في المسرح.
في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية والرقمية التي يعيشها العالم العربي، ما القضية المسرحية التي ترون أن النقد العربي لم يمنحها ما تستحقه من اهتمام، ولماذا؟
هناك قضايا عديدة لم يواكبها النقد العربي، بل لم تواكبها الكتابة الإبداعية سواء في المسرح أو في غير المسرح. لكن دعنا في النقد الذي من وجهة نظري يبدو قليلا، ولا يواكب كل ما ينتج إبداعيا، فالأعمال غزيرة، ولكن ما يكتب عنها يكاد يكون ضئيلا مقارنة بكثرتها، وهنا لا أتحدث عن المسرح بحد ذاته، إذ إنّ النقد يبدو ضعيفا في مواكبة الأعمال الإبداعية عموما، وإذا ما حدثت مواكبة فإنها تتجه إلى نقد أعمال بعينها، كالأعمال التي فازت أو ظهرت في مسابقات إبداعية، أو لأسماء ذات حضور، وحتى هذه باتت قليلة اليوم.
أعتقد أن هناك مشكلة فيما يتعلق بالنقد، وهي مشكلة مزدوجة بشكل كبير، ذلك أن الحراك النقدي كان مرتبطا بالحراك الثقافي الرصين، والحراك الصحفي المتمثل في الصحافة الثقافية، وكلاهما: الحراك الثقافي، والصحافة الثقافية، أصبحا يعانيان بشكل واضح في ظل التحولات التي تمرّ بها الحياة بشكل عام، الحياة التي ابتسرت بفعل الأنساق التي شكلتها الرأسمالية في آخر خمسين عاما.
أما فيما يتعلق بالكتابات المحسوبة على النقد المسرحيّ، فإنها تتجلى في المواسم، مواسم المهرجانات تحديدا، لكنها في حالات عديدة تكون قراءات لا تتماس مع العمق، أو أنها لا تحاول المخاطرة بالغوص في الثنايا البعيدة للعروض أو للكتابات النصية تحديدا، وربما هذه هي الإشكالية: أن ما يسمى نقدا فنيا للمسرح والدراما، لا يذهب إلى المساحات الأعمق إلا نادرا، وما يقدمه ليس إلا صورة السطح، أضف إلى ذلك أنّ هذا النقد وهذا الاستعراض وهذه القراءات – وإن كانت سطحية – لا يظهر إلا في مواسم بعينها كالمهرجانات كما ذكرت قبل قليل، أو يكون مخبأ في المجلات ذات الطابع الزمني المتباعد، لكنه لا يكون حاضرا على الدوام في الصفحات الثقافية والفنية في الصحافة اليومية، لأن الصحافة كما ذكرت تمر بمرحلة صعبة جدا في السنوات الأخيرة، جعلها بعيدة بشكل كبير عن القراءة والمتابعة. ما يمكن النظر إليه على أنه فرصة سانحة هو ذلك الذي يقدم على وسائل التواصل الاجتماعي، في اليوتيوب تحديدا والمساحات الخاصة بالبودكاست، تلك التي يقدمها أصحاب قنوات معنية بالقراءات والمطالعات حول ما ينتج في الدراما أو ما يكتب في طيات الكتب، وآمل أن تتطور هذه القنوات وهذه المشاريع لتصبح في وقت ما بديلا محتملا للقراءات التي تضمها الصحف، وبديلا نقديا حقيقيا يقوم به من يمتلك القدرة والفهم في المجال النقدي.
هل تعتقدون أن الكتابة عن المسرح أصبحت اليوم تواكب تطور الممارسة المسرحية العربية، أم أنها ما تزال أسيرة المناهج التقليدية والمفاهيم الكلاسيكية؟
حقيقة لا أخفيك بأني أجد صعوبة في تقبل ما يكتب عن المسرح تحديدا، ذلك أن أغلبه يذهب إلى "استعراض" ما يقدم، وتلخيص العرض للقارئ، وكأن القارئ يريد ملخصا عما شاهده أو ما سيشاهده. ورغم أهمية هذا النوع من الكتابة فإنّ الكتابات التي تذهب إلى الأعماق أو تلك التي تشكل تماهيا مع العروض والنصوص والأعمال المسرحيّة، تلك التي تضيف على ما يقدم، هو ما ينقصنا. من قال إنّ الناقد الفنيّ عليه أن يكتب ملخصات أو يقول هذا أعجبني وذلك لم يعجبني؟ أعتقد أن الناقد بحد ذاته مبدع آخر، يأتي للعروض والأعمال الإبداعية فيجعلها تتجلى أكثر في نظر من يقرأ كتاباته، ونحن في أمس الحاجة إلى وجود هؤلاء. وجودهم يجعل المسرح حيا والعمل الإبداعي أكثر ثراء. بالطبع ستظهر لدى هؤلاء المناهج النقدية والمفاهيم الكلاسيكية، ولكن كيف؟ هذا هو المهم. فأن تحفظ في ذاكرتك عدة مصطلحات نقدية فهذا لا يعني أنك ناقد متمكن وواع وتفهم ما يقدم. الناقد الحقيقي هو ذلك الذي بإمكانه استجلاء عمق الأعمال الإبداعية، هو ذلك الذي يضيف على ما قدم، وكأنما كتاباته هي بحد ذاتها أعمال تستحق القراءة، تستحق أن تنتظر، وأن تناقش، مثلها مثل الأعمال الإبداعية التي قدمت على خشبات المسرح، ساعتها ستكون تلك القراءات بمثابة مفاتيح أخرى لتطوير الفرجة المسرحية من ناحيتين: المبدع من ناحية، والمتلقي من ناحية أخرى.
كيف يمكن للمسرح العربي أن يحافظ على خصوصيته الثقافية والجمالية، من دون أن ينغلق على نفسه أو يتحول إلى مجرد محاكاة للتجارب المسرحية العالمية؟
هذا سؤال مهم، تنبع أهميته من كون فن المسرح جاء من ثقافات أخرى، حتى وإن نظر البعض بأن التمسرح كان حاضرا منذ القدم لدى العرب، لكنه بهذا الشكل الذي نراه ونعرفه اليوم ليس إلا نتاج ثقافات أخرى، وهذا ليس خطأ أو عيبا، فالثقافة العربية قادرة على هضم ثقافات أخرى، وإعادة إنتاجها بما يتناسب مع سياقاتها وخصوصيتها، دون الوقوع في أشراك التقليد أو اصطناع أشياء غريبة لا يمكن أن تتفاعل بشكل إيجابي مع مضامين هذه الثقافة، لذا كانت التجارب الأولى في المسرح تحديدا تحاول قدر المستطاع وضع ذاتها في سياق التجربة الثقافية العربية، أن تستلهمها، أن تتماهى معها، أن تكون نسيجا ضمنها. هذا ما حاوله أحمد شوقي مثلا في مسرحيتها الشعرية، وهذا ما قام به ألفرد فرج وسعد الله ونوس وعبد الكريم بالرشيد وغيرهم ممن كان يضع سياقه الثقافي وإرثه العربي ضمن الشكل الإبداعي المسمى بالمسرح، فأنتجوا تجارب تدرس اليوم، وينظر إليها على أنها تجارب رصينة في سياق المسرح العربي.
لكن المشكلة الحقيقية اليوم هي عدم فهم بعض المشتغلين في المسرح لطبيعة الإبداع بحد ذاته، ويظن بعضهم أن التجريب أو الإبداع قائم على تقديم أفكار متشظية، قائم على التغريب، على شطب الثقافة التي جاء منها، وتقديم محتوى بعيد كل البعد عن الهوية والذات، بل إن بعضهم يعمد إلى التشويه وتقديم تجارب غير متسقة وبلا حياة، من منطلق التجريب والإبداع الجديد، فنجد تلك الأعمال بلا فكرة بلا روح. ولو سألت المشتغل على تلك التجارب: ما الذي تريد تقديمه؟ سيقول لك هذه فلسفتي الخاصة، يا أخي فلسفتك الخاصة لك وحدك، وليست للناس! لذا لا غرابة أن يكون الممثلون تائهين على خشبة المسرح ولا يعرفون ماذا يقدمون، وأن يكون كل عنصر من عناصر العرض يغني في واد غير الوادي الذي يغني فيه العنصر الآخر، يقول لك صاحب التجربة أنا أجرب! فهل التجريب عدم فهم للسياقات المختلفة؟ هل التجريب عدم فهم للمسرح وطبيعته؟ ويا ليت يقدمون تجارب تحاكي التجارب العالمية، ساعتها لن تكون لدي مشكلة، فهذا يعني أن تلك المحاكاة قائمة على فهم، وإن كان مبسطا، ولكن عدد ليس قليلا من تلك الحالات التي تدعي أنها تقدم تجارب "مختلفة" وجديدة، هي في حقيقتها لديها خلل بنيوي في مفهوم المسرح والثقافة والإبداع، لديها فقر معرفي، وربما جهل تام بماهية المسرح ذاته.
حدثنا عن فكرة كتابك المسرحي الذي صدر عبر الهيئة العربية للمسرح "مواء القطة: أبواب السرد المتشابكة""
هذه دراسة بحثية تحاول دراسة النص المسرحيّ من منطلق سرديّ، إذ أن مفهوم السرد يمكن أن يكون موجودا في ثنايا أنواع وأجناس أدبية عديدة، والمسرح أحدها، سيما أنّ المسرح في حقيقته نوع أدبي قائم على الحكي، والحكي والحكاية تذهبان بنا إلى مساحة السرد والسرديات، وفي المقابل فإنّ عددا كبيرا من الدراسات البحثية كانت تذهب إلى دراسة العمل المسرحيّ ككل، فيما هذه الدراسة تحاول تطبيق منطلقات تحليل الخطاب السردي على نص مسرحيّ دون الذهاب إلى العروض التي استقيت من هذا العرض، والنظر إلى النص المسرحي على أنه أحد الأنواع الأدبية ضمن جنس عام هو السرديات. ولقد اخترت نص مواء القطة للكاتب المبدع بدر الحمداني للحمولات التي حملها هذا النص، والممكنات السردية الواضحة فيه، وبدر الحمداني هو أحد أهم كتاب المسرح في سلطنة عمان، وأعتقد أن المنطلقات البحثية القائمة على تحليل الخطاب السرديّ بإمكانها الغوص عميقا في نصوص بدر الحمداني، وأرجو الله أن يعطيني الوقت الكافي والقدرة على القيام بهذا الأمر وهذا البحث لا في نصوص بدر الحمداني وحده وحسب، بل أيضا في نصوص إبداعية أخرى لكتاب يستحقون أن تدرس نصوصهم الإبداعية في مجال المسرح، دون حصرها ضمن سياقات العروض التي تقدم.
ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها الهيئة العربية للمسرح، في دعم التأليف المسرحي والبحث الأكاديمي، بحيث لا يقتصر الدعم على إنتاج العروض، بل يمتد إلى بناء مشروع معرفي عربي متكامل حول المسرح؟
كل الشكر والتحية للهيئة العربية للمسرح لما تبذله من دور معرفي وثقافي، في قطاع يحتاج حتما إلى مزيد من الدعم، فالمسرح في ظل المتغيرات العديدة التي تحدث في بنية الثقافة، لا على المستوى العربي، بل على المستوى العالمي، يمر بمرحلة من التماوج والتذبذب في التعاطي معه، ولذا فإن ما تقوم به الهيئة العربية ومنذ تأسيسها أمر يستحق كل الثناء والمحبة، وأرجو الله أن يستمر هذا الدعم، وأن نرى المسرح أكثر ازدهارا وحضورا في وجدان الشعوب، وبالطبع فإنّ مسار دعم البحث العلميّ في المسرح والفرجة عموما، وفي القضايا ذات العلاقة بالدراما والخشبة المسرحية أمر مهم جدا، إذ إن حضور البحث العلمي في المجالات الإنسانية على وجه عام يشهد تحديات وتراجعات على مستويات عدة، ويقل الاهتمام به مع مرور الوقت، فما بالك ببحوث مختصة بالمسرح والدراما؟ لذا فإن الدعم الذي تقوم به الهيئة العربية للمسرح أمر حيوي ومهم ويستحق كل التقدير والثناء، كما أن الدور الذي تمارسه من أجل تشجيع إنتاج نصوص مسرحية وإثراء المكتبة العربية في هذا الشأن هو أمر حيوي أيضا. ومجددا أقدم شكري للهيئة العربية للمسرح، وكل الكلام يبدو صغيرا أمام الجهد الجبار الذي تقوم به في دعم المسرح العربي وتعزيزه وإقوائه عبر كل المسارات.
حدثنا عن تطور المسرح العماني؟ وفي رأيك ماهي العوامل التي يحتاجها ليتطور أكثر وأكثر؟
ربما الحديث عن المسرح العماني من شخص متابع له، وما يحتاجه ليتطور أكثر، يبدو حديثا مستهلكا، فحتى الآن نكرر الكلام بحاجتنا لوجود حراك تطويري، بينما التجربة المسرحيّة العمانية تعود في الزمن إلى أواسط القرن العشرين، إلى الخمسينيات من القرن الماضي، عندما كانت تقدم عروض مسرحيّة طلابية في أحياء مسقط، وعلى خشبة الأندية الرياضية، ومنذ ذلك الوقت ونحن ننادي بتطوير المسرح في عمان.. أعتقد أن الأسئلة المهمة هي: هل لدينا ثقافة مسرحيّة؟ هل يعي المشتغلون بالمسرح بماهية ما يشتغلون عليه؟ هل الشباب الحاليون يفهمون طبيعة وأدوار المسرح؟ هل الممارسة المسرحية الحالية هي ممارسة صحيحة؟ إلى أي مدى أن ما نقدمه من تجارب مسرحية قادر على البقاء؟ أعتقد أن القراءة والتثقيف المسرحيّ وتعميقهما هو الذي يحقق تطويرا حقيقيا في المسرح، هو الذي يجعل المواهب المتوالية مواهب مبدعة بحق، ودون وجود هذه الثقافة سنظل نتحدث عن تطوير المسرح من الآن وإلى ما لا نهاية، فهذا ما ينقص المشتغلين على المسرح، هذا ما يحتاجونه عمليا، إذ هم يمتلكون الطاقات الإبداعية، والتاريخ المسرحي، ويمتلكون الأفكار المختلفة، ولديهم كتاب مبدعون، ومخرجون ممتازون، ومهرجانات وفرق، ولكن كل ذلك لا يغني عن مسألة القراءة والثقافة والتعمق المعرفي في المفاهيم المسرحية المختلفة، والأهم: الإنصات، الاستماع الجيد لكل ما يقال، وعدم التعالي بالموهبة والإنجاز، فهما أمران قابلان للاضمحلال إذا لم يكثفا بالمعرفة والفهم. ويبقى القول إن المسرح في عمان مر بتجارب عديدة، وقدم نفسه أكثر من مرة في أشكال وإنجازات وإبداعات متعددة، وأفرز أسماء لها حضورها المسرحيّ لا على مستوى عمان وحسب، بل على المستوى العربيّ كذلك.
ما مدى تطور المسرح والمشهد الثقافي السعودي ومواكبته للتطورات العالمية ؟
سأكون مجافيا للحقيقة لو قلت إنني ملم تمام الإلمام بالمشهد الثقافي والإبداعي السعودي، لكنني أستطيع القول إن السعودية أفرزت هي الأخرى أسماء إبداعية عديدة في مجال المسرح والدراما، ويكفي مشاهدة ما يقدم عبر المنصات من أعمال إبداعية درامية مختلفة، سواء على شاهد أو على غيرها من المنصات. هذه الأعمال تؤكد وجود حركة إبداعية مهمة في المسرح سعوديا، كما أن وجود أسماء مثل فهد ردة الحارثي وعباس الحايك وغيرهما هو تأكيد آخر على الحضور المسرحيّ، وبالطبع لا يمكن اختزال المشهد الإبداعي في السعودية مسرحيا، فالسعودية حاضرة اليوم في شتى مجالات الإبداع والثقافة.