حوار – حسين السنونه
يرى القاص والروائي السعودي موسى الثنيان في حديثه مع صحيفة "النهار" ان النقد مهم لصيانة النصوص الأدبية، وتتمثل مهمته في مراقبة الإنتاج الأدبي، شأنه شأن المراقبة في مختلف مجالات الحياة، كالصناعة والمحافظة على جودة الإنتاج. لذلك، لم أكن يومًا غير مقتنع بالنقد والنقاد، بل على العكس، فالكاتب يحتاج إلى من يقوّم البناء الفني للنص، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى من يُظهر مكامن الجمال فيه ويحلل دلالاته
ماذا تقول عن تجربتك القصصية بعد سنوات من النشر والاحتفاء بإصداراتك المتعددة؟
ماذا، يا ترى، يمكن أن يقول الكاتب عن تجربته، سوى: هل انتهى المعنى أم لا؟ فالكاتب في كل مرة يظن أنه قد انتهى من كلامه، لكنه سرعان ما تتجدد لديه الحاجة الملحة إلى الكتابة؛ فالمعنى يظل أكبر من الكلمة، ومهما عبّر عنه سيظل يشعر بالنقص والحاجة إلى اكتمال المعنى.
كيف تفسر ضعف حضور القصة في المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية؟
لا أرى أن هناك ضعفًا في حضور القصة في المشهد السعودي في الوقت الراهن، بل على العكس، فقد بدأ الاحتفاء بها من قبل هيئة الأدب والنشر والترجمة، شأنها شأن الفنون الأخرى، كالشعر والرواية والمسرح. وقد بدا الاهتمام بها واضحًا، سواء من خلال إقامة الندوات، أو الاحتفاء بيوم القصة، أو تنظيم المسابقات، وما شابه ذلك
ولكن ما يستدعي النظر فيه هو انصراف المهتمين بالأدب عنها، واتجاههم إلى الرواية بوصفها المنتج الذي يتصدر المشهد برمته، وليس لأن القصة أقل شأنًا أو قيمة، بل لأن الجمهور اتجه إليها. ولكي تعود القصة إلى ازدهارها، فلا بد أن تتضافر جهود المؤسسات الثقافية، ودور النشر، والكتاب، لإعادتها إلى المشهد من خلال التسويق لها، والاهتمام بنقدها، وإثبات أن القصة قادرة على تمثيل الواقع وإثارة القضايا الحساسة من خلالها.
ماذا تقول عن تطور المشهد الثقافي في المملكة في مختلف المجالات الأدبية؟
لقد قفز المشهد الثقافي قفزات كبيرة، وشهدت المملكة، مع رؤية المملكة 2030، تحولًا هائلًا في المجال الثقافي، وأصبحت تستقطب المهتمين بالفنون المختلفة، من مسرح وسينما ورواية وشعر. وباتت المهرجانات الفنية تُقام في العاصمة الرياض، ويأتي إليها المشاركون من مختلف أنحاء الوطن العربي، وأصبح المشهد الثقافي السعودي جاذبًا للمثقف العربي.
لديك عدم اقتناع بالنقد والنقاد، وهذا ليس جديدًا، فهل تغيرت قناعتك بالنقد وأهله؟ وما التعليل؟
النقد مهم لصيانة النصوص الأدبية، وتتمثل مهمته في مراقبة الإنتاج الأدبي، شأنه شأن المراقبة في مختلف مجالات الحياة، كالصناعة والمحافظة على جودة الإنتاج. لذلك، لم أكن يومًا غير مقتنع بالنقد والنقاد، بل على العكس، فالكاتب يحتاج إلى من يقوّم البناء الفني للنص، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى من يُظهر مكامن الجمال فيه ويحلل دلالاته
ولكن النقد الأكاديمي، على وجه الخصوص، متأخر عمّا يوجد في الساحة الأدبية، وأظن أن ذلك يعود إلى كثرة الإنتاج الأدبي، كما أن بعض النقاد يفقدون الثقة فيما يُكتب من أدب، ويخشون ممارسة النقد الصريح وإبراز السلبيات، خوفًا من غضب الكُتّاب، فيتحول الأمر إلى جدال وهرج ومرج
ومع ذلك، فإن هذا ليس مبررًا كافيًا لترك الساحة خالية من الحراك النقدي. فنرى، على سبيل المثال، في مصر حراكًا نقديًا مستمرًا وفاعلًا، بينما قلّما تجد مقالًا نقديًا عند صدور عمل أدبي جديد، سواء كان رواية أو شعرًا أو قصة، في السعودية، إلا من اجتهادات شخصية هنا وهناك، وهي جهود مشكورة.
وعليَّ أن أشير إلى أمرٍ مهم، وهو وجود القارئ المثقف والواعي؛ فهو شريكٌ مهم في قراءة النصوص وتحليلها ونقدها، ويُعدُّ ناقدًا موازيًا يسهم في تحريك عجلة الأدب وإثراء الحركة الأدبية
ولنكن صريحين، فهناك بعض النقاد -وليسوا جميعًا- ما زالوا قابعين في أبراجهم العاجية، ويرون أن كل ما يُكتب خارج جيلهم أقل مستوى من الناحية الفنية.
أين تجد نفسك: في القصة القصيرة أم في عالم الرواية؟ ولماذا؟
بدأتُ مشواري الأدبي قاصًّا، وفي الحقيقة فإن كتابة القصة فيها متعة لحظية، كما أنها تحمل قدرًا كبيرًا من التحدي؛ فهي فن الاقتصاد، أليس اسمها القصة القصيرة؟ وهي فن اقتناص الحدث وتحويله إلى مجاز ودهشة غامرة.
أما الرواية، فهي تختبر صبر الكاتب؛ إذ تتطلب بناء عالم بإزاء العالم الواقعي، عالم متماسك لا ثغرات فنية فيه ولا اعتلال أو اختلال في بنائه على امتداد صفحات الرواية وهذا من الناحية الفنية، كما أنها تتطلب من الكاتب أن يودع فيها حمولاته الثقافية والفكرية والاجتماعية، فتُلزمه بالبحث والقراءة في الموضوع الذي اختاره. فهي وإن كانت ممتعة في ظاهرها، فإنها مُجهدة لمؤلفها في البحث عن المعلومات والأفكار التي تخدم نصه، وهذا بحد ذاته يثري الكاتب نفسه
ولا يعني ذلك أن القصة لا تتطلب ثقافة، ولكن بدرجة مختلفة؛ فالكاتب، بطبيعة الحال، يستعير أفكار قصصه من مدى ثقافته ورؤيته للعالم، وما يمتلكه من حس فني وقدرة على التكثيف ومراقبة دقيقة للحياة.
حدثنا عن تجربتك في برامج معتزلات الكتابة، وما الاستفادة التي خرجت بها منها؟
كانت عزلة حقيقية لا يتنفس فيها المرء إلا الأدب والثقافة، في أجواء من العزلة التامة وهناك التقيت بزملاء للمرة الأولى في تبوك، ولعلي كنت محظوظًا بهذه المجموعة؛ فقد كانت مائدتنا الأساسية هي الأدب والثقافة، حتى في أوقات جلوسنا إلى طاولة الطعام.
هناك تتثاقف، وتتعرف إلى عوالم جديدة في الأدب؛ فلكل واحد أسلوبه ورؤيته وفكره الأدبي، ومن ذلك تتمازج الأفكار، ويتحفز الإبداع، وتشتعل الرغبة في الكتابة. فكلما عدت إلى غرفتك، ورأسك تعتريه أفكار جديدة، شعرت بأنك خرجت بمشروع كتابة جديد.
وحين زرنا أحد الأودية في نيوم، ورأينا إبداع الخالق في الجبال الصخرية التي بدت كما لو أن يد فنان قد نحتتها، ألقى ذلك في روعنا الجمال والدهشة
فتجربة المعتزلات من أجمل ما قدمته هيئة الأدب والنشر والترجمة؛ فهذه الإقامات الأدبية في مناطق مختلفة من الوطن، بما فيها من تنوع جغرافي وحضاري وآثار قديمة، تلهم الكُتّاب، وتجعلهم يختلطون بثقافات متعددة، ويتقد الذهن في عالم من الفكر والثقافة.
في المشهد الأدبي، هناك المكرَّس والمشهور، وهناك الاسم المعروف والنص غير المعروف، كيف ترى هذين الأمرين؟
ذكرتني بأيام المنتديات الإلكترونية؛ فقد كانت هناك كتابات لرجال ونساء بأسماء مستعارة، بعضهم ظهر للعلن، وآخرون انتهوا وغابوا مع غياب المنتديات. وكم تحسرنا على أقلام اختارت الغياب
ما أردت قوله هو أن هناك أقلامًا طمرتها المخاوف من النشر أو عدم الالتفات إليها، بينما تزدحم أرفف المكتبات بكتب لا تضيف جديدًا
اليوم تشهد الرواية المحلية صعودًا مستمرًا، ما قولك في الروايات التي برزت مؤخرًا؟
هناك غزارة في إنتاج الرواية، ومن يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما تطبيق تيك توك أو إنستغرام، سيُصدم بكمية المؤلفين من جيل الشباب، وكذلك بالعدد الكبير من القراء. ولكن، في الوقت ذاته، ستلحظ شيئًا مهمًا وخطيرًا، وهو أن هذا الجيل قد أسس لنفسه قاعدة خاصة من الكُتّاب والجمهور القارئ، حتى إنه ابتعد عن أجيال الكُتّاب السعوديين السابقين، بل وحتى عن كبار الروائيين العرب والعالميين، مثل نجيب محفوظ ودوستويفسكي وغيرهما
فهو مهتم بنفسه، ويقرأ لنفسه، ويختار ما يتماشى مع ذوقه ومزاجه وخياراته. ومع ذلك، تجد من هذا الجيل الطلائعي من يقرأ الروايات العربية المشهورة، وكذلك الآداب العالمية، فالقطيعة ليست عامة
والمؤشر الإيجابي في الأمر أن القارئ العربي من جيل الشباب ما زال يقرأ الكتب والروايات، في الوقت الذي يظن فيه كثيرون أنه ابتعد عن القراءة بسبب التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، سواء اختلفنا أم اتفقنا مع خياراته القرائية وبالطبع الحق فيما يختار.
لماذا يغيب حضور القصة العاطفية الرومانسية لدى القاصين في المملكة؟
لا يحضر في ذهني الآن أنني قرأت مجموعة قصصية كاملة تتناول الحب وحده، وأظن أن ذلك يعود إلى أن المجتمع السعودي كان لفترات طويلة، مجتمعًا محافظًا، تحكمه العادات والتقاليد التي تضع قيودًا على تصوير علاقات الحب وتخيلها
ومع ذلك، فإن القصة العاطفية والرومانسية لا تغيب تمامًا في السعودية، لكنها تظهر متخفية أو ممتزجة بقضايا اجتماعية مختلفة، ولا تُقدَّم بوصفها قصصًا رومانسية خالصة ويُضاف إلى ذلك أن المجتمع السعودي كان مهتمًا بالقضايا الكبرى، مثل التحولات الاجتماعية، ونشوء المدينة، والطفرة النفطية، وقضايا المرأة، وهي موضوعات استحوذت على مساحة واسعة من اهتمام الكُتّاب.
كيف ترى حضور القصة القصيرة جدًا في المملكة؟ وما أسباب عدم انتشارها على نطاق واسع؟
ظهرت القصة القصيرة جدًا في المملكة في أواخر التسعينيات، وأول ما اطلعت عليها كان بعد عام 2008م، حين كانت تُنشر في الملاحق الثقافية للصحف، ولا سيما الملحق الثقافي لصحيفة الجزيرة، الذي كنت أتابعه باستمرار، إضافة إلى ما كان يُنشر في المنتديات الإلكترونية
ومن وجهة نظري، فإن هذا الفن، على الرغم من صعوبته، لم ينضج بعد بالشكل الكافي، وقد استسهله كثيرون بسبب قصره، بينما يكمن التحدي الحقيقي في هذا القصر نفسه ، ويحضرني الآن اسم بارز في هذا الفن، هو جبير المليحان، وربما هناك أسماء أخرى لم يسعفني الحظ بالاطلاع عليها، لكن جل ما قرأته لم يبلغ درجة الإدهاش والدهشة التي أطمح إليها
وهذه ليست مشكلة خاصة بالأدب السعودي، بل هي ظاهرة تكاد تشمل الوطن العربي كله. ومع ذلك، ثمة أمر لافت، وهو أن كتّاب المغرب، وليبيا، وتونس، والجزائر، قد أبدعوا في هذا الفن بصورة ملحوظة. وربما يعود ذلك إلى اهتمامهم المبكر باللسانيات الحديثة، والسيميائيات، والبنيوية، والسرديات، وهي علوم دخلت جامعاتهم منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي
هل هناك فكرة لمشروع رواية جديد؟
نعم، هناك مشروع لرواية اكتمل تقريبًا، وهي رواية تستحضر التاريخ، وتدور حول شخصية تربطها علاقة عاطفية بفرسه، قبل أن يقلب حادثٌ حياته رأسًا على عقب، ويدفعه إلى مواجهة أسئلة مؤلمة. كما أنها رحلة تمتد من جنوب المملكة إلى المنطقة الشرقية، وتتقاطع فيها تجربته الشخصية مع عوالم دينية وثقافية متعددة. إنها رواية تمزج بين البعد الإنساني والتأمل، في رحلة تبحث عن الحقيقة والمصالحة.
وأبحث حاليًا عن دار نشر مناسبة، فالواقع أن من أكثر ما يواجهه الكاتب صعوبةُ البحث عن دار نشر تُقدّر الكاتب والرواية، فقد باتت بعض دور النشر تتجه إلى طباعة الروايات التجارية، إن صح التعبير، التي تبحث عن الجمهور أكثر من بحثها عن القارئ.
تمتاز كتاباتك القصصية بالنَّفَس السردي القوي، واللغة الجميلة، والتصوير الدقيق للشخصية.. كيف صنعت ذلك؟
إذا كنت تراني هكذا، فهذا شيء يسعدني، وأظن أن ذلك يأتي مع كثرة القراءة، سواء قراءة الروايات والقصص، أم الكتب الثقافية المتعلقة بالأدب والنقد. فهذه الأمور تثري خيال الكاتب، وتنمي لغته. وأظن أيضًا أن دراستي للغة العربية في الجامعة كان لها أثرٌ طيب في تعميق خيالي، وفهم اللغة، وتذوقها، وإثراء مخيلتي. ففي أيام الدراسة بجامعة الملك سعود، درست مواد متنوعة، منها الأدب العربي وتاريخه عبر عصوره المختلفة، والنظريات الأدبية الأوروبية والعربية، وعلم البلاغة، وعلم الأسلوب والخطاب، وفقه اللغة، وغيرها، وقد ساعدني ذلك كثيرًا.
وكان للمكتبة في الجامعة أيضًا دورٌ فاعل؛ إذ كانت تفتح أمامي أبوابًا واسعة للاطلاع والقراءة، وتيسر لي الوصول إلى كثير من المراجع والكتب التي أسهمت في صقل تجربتي الأدبية وتوسيع آفاقي
.
هل هناك قاصون في المملكة تقف عند تجاربهم القصصية؟
هناك تجارب قصصية جميلة كثيرة. فمثلًا، يتميز القاص ناصر الجاسم بقوة المتن، وجمال الحبكة، وفرادة الفكرة. ولدينا عبد العزيز مشري، الذي رأينا في كتاباته سحر قرى جنوب المملكة وحياة أهلها. وكذلك حسين السنونة، الذي تمثل تجربته خروجًا عن المألوف في بنيتها وموضوعاتها، وقد قدمها عبر السخرية والكوميديا السوداء.
كما أن الكاتب أحمد العليو قاص جميل، ويقدم تجربة اجتماعية مغايرة وكذلك القاص طاهر الزراعي، ولا أنسى خالد الداموك، والقاصة صباح الفارس، والقاص علي التتان، الذي يتميز سرده بالنزعة العجائبية ، وبالتأكيد هناك أسماء غابت عن ذاكرتي الآن.
يقال إنك متمكن من عناصر القصة، وتهتم كثيرًا بالبيئة المحلية، فما تعليقك؟
نحن أبناء بيئتنا، ولا نستطيع التملص منها. ومن أهم وظائف الأدب أنه ينقلك إلى بيئات وثقافات مختلفة. وحتى لو كان موضوع القصة اجتماعيًا، أو إنسانيًا، أو سياسيًا، فإن المكان سيظل حاضرًا فيها
فالفضاء المكاني عنصر أساسي من عناصر القصة، وهو مسرح الأحداث والوعاء الذي يحرك الكاتب فيه أحداثه. وحتى وإن كان المكان بيتًا، فإن الوصف كفيل بأن يجعلك تعرف هل هو بيت في الشام، أو القاهرة، أو الخليج، أو خيمة في الصحراء ، وقد أشرتُ أعلاه إلى عبدالعزيز مشري، الذي وصف لنا بيئة الجنوب تصويرًا بديعًا، ولدينا أيضًا نجيب محفوظ ، الذي قدّم صورةً نابضة للحياة المصرية في أعماله، وغيرهما من الأدباء الذين استطاعوا أن يجعلوا من البيئة المحلية فضاءً إنسانيًا رحبًا يصل إلى القارئ أينما كان
وأحيانًا يتحول الوصف البيئي في القصة إلى رمز مهم في النص، إذ قد يشير إلى الانتماء، أو الاغتراب، أو الوطن، أو الهوية.
يطلق على كثير من نصوصك أنها تمزج بين الماضي والحاضر، ماذا تقول في ذلك؟
لا أدري لماذا أجدني مسكونًا بالماضي، حتى تلك الحقب التي لم أدركها، وأجد فيها مادةً دسمةً أستعير منها، حتى من التراث العربي، كالحكايات الشعبية والأساطير. كما أنني أجدها مسؤوليةً تجاه تاريخنا وتراثنا العربي، وعلينا أن نكون فخورين به
ومن ذلك كتبت مجموعتي القصصية «سوابيط مظلمة»، فالقصة الأولى، التي تحمل اسم المجموعة، وكانت أطول نص فيها، استلهمتُ فيها التاريخ، وتحديدًا فترة الستينيات. وفي الحقيقة أشعر أنني ظلمت هذا النص؛ فقد ضاع بين بقية النصوص، وكان من الممكن أن يمتد قليلًا ليصبح رواية
وفي قصص أخرى استلهمتُ من تراثنا الحكائي؛ مثل قصة الحمامة التي تحولت إلى امرأة، والجني دعيدع، وهو شخصية أسطورية معروفة في المنطقة الشرقية، كما استلهمتُ حكاية السمكة التي لفظت من فيها جوهرة، وغير ذلك، ممزوجًا بقضايا اجتماعية وأخلاقية وتاريخية.
وفي روايتي «العائدون من الغرق» حضرت أيضًا استعارة التاريخ، كما استحضرتُ أسطورة حارسة الماء، أما مجموعتي القصصية «مذكرات آخر فئران الأرض»، فلم تخلُ هي الأخرى من استعمال التراث الحكائي والأمثال العربية.
فأنا مولع بكل ما هو ماضٍ، وبتراثنا الحكائي، وأرى أن أمامنا مسؤوليةً في المحافظة على هذا التراث وإحيائه، كما فعل الأوروبيون بتراثهم؛ إذ أعادوا إنتاجه في أعمالهم الأدبية والسينمائية.
كتبت رواية "العائدون من الغرق" القريبة من الرواية التاريخية، ألم تجد صعوبة في كتابتها؟
ما إن بدأت كتابة روايتي، التي تدور أحداثها في ستينيات القرن الماضي، في أواخر الحرب العالمية الثانية، حتى اصطدم قلمي بسفوح التاريخ الصلبة. صحيح أن هناك حدًا فاصلًا دقيقًا بين الوثيقة التاريخية والنص الروائي
فالرواية ليست كالدراسة التاريخية أو الوثيقة، بل هي أكثر تحررًا، ولكنها تظل مطالبة بعدم مخالفة حقائق الزمن الذي تدور فيه أحداثها، وإلا أصبح ذلك إشكالًا.
فالدراسات والوثائق تنقل إلينا الوقائع بدقة ولغة الأرقام، بينما تنقل الرواية روح تلك الوقائع. ففي رواية "العائدون من الغرق" حاولت نقل المأساة التي عاشها الفقراء بسبب شح السلع، فالخليج لم يكن منعزلًا عن العالم، بل تأثر، شأنه شأن كثير من المناطق، بما كان يحدث فيه
كما وصفت أثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية في بعض الأسر، ومعاناة البحارة، وحالة كساد تجارة اللؤلؤ. فالتاريخ ينقل الوقائع، أما الرواية فتصف المأزق الإنساني وهنا الفارق الجهوري بينهما.
مجموعتك الأخيرة "مذكرات آخر فئران الأرض"، حدثنا عنها، وكيف استطعت أن تجعل من كل نص قصة تخص فأرًا؟
كانت هذه الفكرة حبيسة الأدراج لسنوات، ويعود ذلك إلى غرابة الفكرة، وإلى البحث في هذا اللون الأدبي الذي اخترت أن أسميه «أدب الفئران». وصرت أتساءل: لماذا أصبح الفأر مضربًا للأمثال؟ ولماذا كل هذا الحضور في الميثولوجيا؟
وهذا ما افتتحت به مجموعتي القصصية:
أليست الفئران تسكن بيوتنا، وتقاسمنا مساكننا وطعامنا؟ فتارةً نراها لصوصًا، وتارةً أخرى نراها فئران تجارب، فيما تقدمه من تضحيات تحت مشارط الباحثين والأطباء والعلماء من أجل أبحاثهم، بغية الوصول إلى أحدث الأدوية والعقاقير النافعة للإنسان، فقط لأنها تماثل الإنسان تشريحيًا وبيولوجيًا. كما دخلت الفئران عالم الأمثال العربية والميثولوجيا؛ فمن ورائها تدفق سيل العَرِم، وأُعيد تشكيل جزيرة العرب، ومن ورائها أيضًا كان الفارابي، الفيلسوف العظيم، قد اكتشف عالمًا جديدًا للموسيقى.
ودائمًا ما يراودني ويشغل ذهني ذلك السؤال المراوغ والملح معًا: هل للفئران أهمية؟
«النص الذي لم يُكتب لك، كُتب لغيرك»، ما رأيك في هذه المقولة؟
النص الأدبي، سواء أكان قصة أم رواية أم شعرًا، تختلف طريقة تلقيه من شخص إلى آخر، وهذه إحدى ميزات الأدب. فتلقيه مسألة ذوقية، وليس له إجابة حاسمة كما هو الحال في العلوم التطبيقية كالرياضيات، مثلًا
إنه سحرٌ بقدر ما يلقيه النص في روع متلقيه وقلبه؛ ولذلك تتفاوت درجات إعجابنا بالنصوص تبعًا لتنوع المشارب والخلفيات. فقد يأتي نص يلامس جرحًا، أو فكرة، أو يحرك مشاعر معينة، فيراه شخص من أجمل ما كُتب، بينما قد يراه آخر عاديًا، أو حتى يثير نفوره.
فلكل قارئ خلفيته الذهنية والثقافية، ومزاجه الخاص. ووعي القارئ وثقافته أمر مهم، بل وخطير؛ فقد يقع النص بين يدي قارئ فيظلمه، لأنه لم يدرك بواطن جماله وخفاياه، فيتسرع في إصدار الحكم عليه.
ولكن علينا أن نلتفت إلى أمر مهم، وهو ألا تتحول مثل هذه المقولات، كقولهم: «النص الذي لم يُكتب لك، كُتب لغيرك»، أو «الشجرة المثمرة هي التي تُرمى بالحجارة»، إلى ذريعة لتمرير النصوص الضعيفة؛ فهناك نصوص هزيلة لا يمكن تجاوز رداءتها، ثم يُتهم المتلقي بعد ذلك بالقصور أو بمحاربة المبدع.
.