النهار

١٩ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ أغسطس-٢٠٢٦       5885

بقلم : د. علي بن عالي السعدوني

ليس كل ما في السياسة يُقال، وليس كل ما يُراد قوله يجد طريقه إلى المؤتمرات واللقاءات الرسمية والبيانات، فثمة منطقة أخرى تقع خلف الكلمات مباشرة لا تقل أهمية عن الكلمات نفسها منطقة تتكون من الصمت والحذف والتأجيل والتجاهل والإبهام والسكوت عن الأسماء والقفز فوق الأسئلة الحساسة وترك بعض الجمل عند حدود لا تتجاوزها، وهذه المنطقة التي تبدو في ظاهرها خالية من اللغة قد تكون في حقيقتها شديدة الامتلاء بالمعنى؛ لأن الخطاب السياسي لا يصنع مواقفه بما يصرح به فقط بل يصنع جزءًا كبيرًا منها بما يمتنع عن التصريح به حين يعرف أن للكلمة ثمنًا سياسيًا وأن للتسمية تبعات وأن الاعتراف قد يتحول إلى التزام وأن الإجابة قد تغلق بابًا تريد السياسة أن يبقى مفتوحًا، وفي هذا يمكن الحديث عن بلاغة الفراغ السياسي بوصفها واحدة من أكثر مناطق الخطاب دقة وإغراءً بالقراءة؛ لأنها لا تجعل الباحث واقفًا أمام الكلمات الظاهرة فحسب، وإنما تدفعه إلى النظر خلفها وحولها وبينها والبحث عن ذلك الذي كان متوقعًا أن يقال ثم لم يُقل.

والفراغ في هذا ليس فراغًا بالمعنى البسيط الذي يوحي بالعدم أو غياب الموقف، وإنما هو مساحة قد تتركها السياسة عامدة لأنها تريد أن تمنح نفسها حرية الحركة دون أن تقيدها عبارة قاطعة يمكن استعادتها لاحقًا ومساءلتها بها، وقد يكون الصمت في لحظة معينة أكثر فائدة من تصريح متعجل يرفع سقف التوقعات أو يغلق طريق التفاوض أو يحرج حليفًا أو يستفز خصمًا أو يكشف موقفًا لم يحن أوان الكشف عنه، ولذا فإن الدول والمؤسسات السياسية الخبيرة لا تعرف فقط كيف تصوغ بياناتها وإنما تعرف كذلك ماذا تحذف منها وماذا تؤجل وماذا تترك غامضًا ومتى تستخدم الاسم الصريح ومتى تستبدله بعبارة عامة ومتى تتقدم إلى مقدمة المشهد بالكلام ومتى تتراجع خطوة إلى الخلف وتترك الآخرين يتحدثون، فالصمت في السياسة ليس دائمًا عجزًا عن صناعة الجملة بل قد يكون قدرة عالية على معرفة الجملة التي يجب ألا تُقال.

ولنتخيل بيانًا سياسيًا يصدر عقب حادثة إقليمية شديدة الحساسية فيقول إن الدولة (تتابع بقلق بالغ التطورات الأخيرة وتؤكد ضرورة احترام سيادة الدول وتدعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد والعودة إلى المسارات الدبلوماسية)، سنجد أمامنا للوهلة الأولى خطابًا واضحًا ومتماسكًا ومشحونًا بمفردات سياسية مألوفة لكن القراءة الأعمق لن تتوقف عند الكلمات الموجودة بل ستذهب مباشرة إلى الكلمات الغائبة وتسأل من المقصود بالتطورات ومن تسبب فيها ومن الطرف الذي انتهك السيادة ولماذا لم يسمه البيان ولماذا استُخدمت عبارة (جميع الأطراف)بدل تحديد المسؤولية ولماذا انتقلت اللغة من توصيف الواقعة إلى الدعوة إلى التهدئة دون المرور بتسمية الفاعل، وعند هذه الأسئلة تحديدًا يبدأ الفراغ في الكلام وتبدأ المساحة البيضاء داخل النص في إنتاج معنى ربما كان أكثر حساسية من المعنى الذي حملته الجمل المعلنة.

فالاسم الغائب في الخطاب السياسي ليس دائمًا اسمًا منسيًا، وقد تكون عدم تسميته جزءًا من الموقف نفسه؛ لأن تسمية دولة بعينها تعني تحميلها المسؤولية بصورة مباشرة وقد تعني الانتقال بالعلاقة معها من مساحة الاختلاف الممكن احتواؤه إلى مساحة الاتهام العلني الذي يصعب التراجع عنه بينما تسمح العبارة العامة بإيصال الرسالة دون إغلاق الأبواب وتسمح للمتلقي المقصود بأن يفهم أنه معني بالكلام دون أن يجد أمامه اتهامًا رسميًا يستطيع البناء عليه، وفي هذا تظهر إحدى مفارقات اللغة السياسية الجميلة والمعقدة في الوقت نفسه، إذ يمكن للخطاب أن يكون واضحًا لمن يعنيه وغامضًا لمن يبحث عن العبارة الصريحة ويمكن أن يصل التهديد إلى صاحبه دون أن ترد كلمة تهديد واحدة ويمكن أن تقع الإدانة كاملة في وعي المتلقي مع أن البيان لم يذكر اسم المدان.

ويزداد الفراغ السياسي وضوحًا في المؤتمرات الصحفية حين يطرح الصحفي سؤالًا شديد المباشرة عن قضية محددة وينتظر الجمهور إجابة بالقدر نفسه من المباشرة ثم يبدأ المسؤول حديثه عن سياق آخر قريب من الموضوع لكنه لا يدخل إلى قلبه أو يستدعي المبادئ العامة أو يعيد سرد موقف سابق أو يقول إن الأمور ما تزال قيد الدراسة أو إن الوقت غير مناسب للتعليق أو يكتفي بعبارة قصيرة ثم ينتقل إلى السؤال التالي، ففي مثل هذه اللحظة لا ينبغي أن ينصرف اهتمام محلل الخطاب إلى الجواب وحده وإنما إلى المسافة التي نشأت بين السؤال والجواب؛ لأن السؤال كان يتجه إلى نقطة محددة بينما تحرك الجواب حولها دون أن يصل إليها وهذه الحركة الدائرية نفسها تحمل معنى سياسيًا يكشف حدود المسموح بالقول وحدود المسكوت عنه وحدود المنطقة التي يريد المتحدث أن يبقيها بعيدة عن الالتزام العلني.

وقد يأتي الفراغ في صورة سؤال لم يُجب عنه لكنه قد يأتي كذلك في صورة قضية لم تُذكر أصلًا مع أن السياق كان يستدعي حضورها، وفي هذا يصبح الغياب أكثر إثارة من الصمت المباشر لأن المتحدث لم يرفض الحديث عن القضية وإنما بنى خطابه بطريقة جعلتها خارج المشهد منذ البداية، فإذا تحدث مسؤول عن ملف اقتصادي مثلًا واستعرض النجاحات والأرقام والاستثمارات والمشروعات والمؤشرات المستقبلية ثم أغفل تحديًا رئيسيًا كان حاضرًا بقوة في النقاش العام فإن هذا الإغفال لا يجوز أن يتحول فورًا إلى اتهام متعجل لكنه يستحق السؤال والتحليل والمقارنة؛ لأن ترتيب الموضوعات داخل الخطاب واختيار ما يدخل منها إلى واجهة الخطاب وما يُترك بعيداً في هوامشه يكشفان أحيانًا عن سلم الأولويات الذي تريد المؤسسة السياسية أن يراه الجمهور.

ومن أكثر صور بلاغة الفراغ السياسي حضورًا ذلك الفراغ الذي تصنعه الأسماء المفقودة، فقد يتحدث الخطاب عن (جهات خارجية) أو (بعض القوى) أو (أطراف تسعى إلى زعزعة الاستقرار) أو (من يحاول التدخل في الشؤون الداخلية) دون أن يقدم للمتلقي اسمًا واحدًا، وعندئذ لا يبقى المتلقي متفرجًا على اللغة وإنما يبدأ بنفسه في ملء الفراغ مستعينًا بالسياق وبالأحداث السابقة وبالعلاقات القائمة وبما يعرفه عن مواقف الأطراف المختلفة، فتتحول عملية الفهم من استقبال رسالة مكتملة إلى المشاركة في بنائها، وهذه من أذكى وظائف الفراغ لأن الخطاب لا يقدم الاتهام مكتملًا وإنما يقدم حدوده ويترك الجمهور يرسم داخله الصورة التي يعرفها.

وقد تكون بلاغة الفراغ في الزمن قبل أن تكون في الكلمات، فليس المهم دائمًا ماذا قالت الدولة بعد وقوع حدث كبير وإنما متى قالت ولماذا اختارت هذه اللحظة تحديدًا ولماذا تأخر البيان ساعات أو أيامًا ولماذا سارعت إلى التعليق على حدث بينما التزمت الصمت تجاه حدث قريب منه؛ لأن توقيت الكلام جزء أصيل من معناه السياسي، وقد يكون تأخير الموقف انتظارًا لاكتمال الصورة وقد يكون إفساحًا لمسار تفاوضي يعمل بعيدًا عن الأضواء وقد يكون رغبة في مراقبة ردود الفعل الدولية قبل تحديد مستوى الخطاب وقد يكون امتناعًا مقصودًا عن إعطاء الحدث قيمة سياسية أكبر مما يستحق، ولهذا فإن الصمت الذي يسبق البيان لا يقع خارج الخطاب كما نظن بل قد يكون جزءًا من بنيته ودلالته واستراتيجيته.

بل إننا نستطيع أن نتحدث عن بلاغة التأخير بوصفها وجهًا من وجوه الفراغ السياسي، فالدولة التي تعرف موقفها لكنها تؤخر الإعلان عنه لا تترك الزمن فارغًا وإنما تستخدمه، وتراقب خلاله تحركات الخصوم والحلفاء والأسواق ووسائل الإعلام والرأي العام ثم تدخل إلى المشهد في اللحظة التي يصبح فيها للكلمة وزن أكبر أو تكلفة أقل، ولذلك قد يكون السؤال الصحيح عند تحليل بعض المواقف ليس لماذا لم تتكلم هذه الدولة وإنما لماذا اختارت أن تتكلم الآن؛ لأن اللحظة التي خرج فيها التصريح ربما تشرح التصريح نفسه أكثر مما تشرحه مفرداته.

ويظهر الفراغ بصورة أكثر خفاءً في ترتيب الأولويات داخل الخطاب حين يمنح المسؤول موضوعًا واحدًا عشر دقائق من حديثه ويمنح موضوعًا آخر شديد الأهمية نصف دقيقة ثم يمر على ثالث بجملة واحدة ويتجاهل رابعًا تمامًا، فالمساحة الزمنية الممنوحة لكل قضية ليست دائمًا مسألة تنظيمية بريئة بل يمكن أن تكون مؤشرًا على المكانة التي يريد الخطاب أن يمنحها لها داخل وعي الجمهور، وكأن المتحدث لا يرتب كلماته فقط وإنما يرتب معها الأشياء التي ينبغي أن نراها أولًا والأشياء التي يريد منا أن نراها من بعيد والأشياء التي يفضل أن تبقى مؤقتًا خارج مجال النظر، وبذلك تتحول بنية الخطاب نفسها إلى سياسة مصغرة في إدارة هندسة الحضور والغياب.

حتى الكلمات الصغيرة التي تبدو عادية قد تفتح داخل الخطاب فراغات واسعة فحين يقول المسؤول (في الوقت المناسب) يترك الزمن بلا تحديد وحين يقول (سنتخذ ما يلزم) يترك طبيعة الإجراء مفتوحة وحين يقول (جميع الخيارات مطروحة) يفتح مساحة لا يستطيع المتلقي معرفة حدودها وحين يقول (نتابع التطورات) يمتنع عن تحديد الموقف النهائي، وهذه العبارات لا تعني ضعف اللغة بالضرورة وإنما تمنح صانع القرار مجالًا واسعًا للحركة لأنها تؤدي وظيفة مزدوجة فتثبت وجود الموقف من جهة وتحجب تفاصيله من جهة أخرى، وبذلك يكون الغموض نفسه موردًا سياسيًا يمكن استخدامه عند الحاجة.

وللفراغ السياسي علاقة وثيقة بالقوة، فصاحب القوة لا يحتاج في كل مرة إلى شرح ما يستطيع فعله ولا يحتاج إلى رفع صوته في كل أزمة ولا إلى تحويل كل خلاف إلى تهديد معلن، وقد تكون العبارة المقتضبة الصادرة عن دولة تمتلك أدوات التأثير أكثر وقعًا من خطاب طويل يصدر عن طرف يحاول تعويض ضعف الفعل بكثرة اللغة، وفي هذا يمكن أن يصبح الاقتصاد في الكلام شكلًا من أشكال إظهار الثقة حين يكون المتلقي يعرف ما وراء الكلمات من إمكانات كما يمكن أن يصبح الصمت نفسه رسالة ردع حين يعرف الطرف الآخر أن عدم الإعلان لا يعني عدم الاستعداد وأن عدم التهديد لا يعني غياب القدرة.

لكن بلاغة الفراغ ليست دائمًا علامة قوة، وفي هذا يجب أن يكون التحليل أكثر حذرًا وعدلًا، فقد يكون الفراغ أحيانًا نتيجة غياب المعلومة أو ارتباك الموقف أو تضارب الرؤى داخل المؤسسة أو الخشية من تحمل المسؤولية أو محاولة الهروب من سؤال مشروع، ولذلك فإن الباحث الجاد لا يمنح كل صمت بطولة ولا يحول كل حذف إلى دهاء استراتيجي ولا يرى خلف كل كلمة غائبة غرفة مظلمة تصنع الأسرار بل يقارن بين النصوص والمواقف والسياقات ويبحث عما كان متوقعًا ظهوره ولماذا لم يظهر ويتتبع تغير المفردات بين بيان وآخر ويراقب انتقال الخطاب من التسمية إلى الإبهام أو من الحزم إلى التهدئة أو من التفصيل إلى الاختصار، وعندئذ فقط يمكن القول إن الفراغ أصبح علامة قابلة للتفسير لا مجرد مساحة تسمح للخيال بأن يقول ما يشاء.

والفراغ السياسي لا يسكن البيانات المكتوبة وحدها، بل يسكن الجسد أيضًا، في الوقفة الطويلة قبل الإجابة وفي النظرة التي تسبق العبارة وفي تغيير نبرة الصوت عند الوصول إلى اسم معين وفي الابتسامة التي تأتي مكان التعليق وفي حركة الوجه التي تناقض هدوء الكلمات وفي الصمت القصير الذي يفصل بين السؤال والجواب؛ لأن السياسي حين يقف أمام الكاميرا لا يتحدث بلسانه وحده بل يصبح جسده جزءًا من النص وتصبح لحظات الصمت داخله علامات قابلة للقراءة وإن كان من الخطأ تحويل كل حركة عابرة إلى دليل قاطع.

ولعل أجمل ما تمنحه فكرة بلاغة الفراغ للباحث في الخطاب السياسي أنها تعيد تعريف النص نفسه، فالنص ليس الكلمات التي نراها على الورق وحدها وليس الجمل التي نسمعها من المتحدث وحدها بل هو كذلك العلاقات بين تلك الجمل والموضوعات التي أحاطت بها والظروف التي قيلت فيها والاحتمالات التي استبعدتها والعبارات التي كان يمكن استخدامها ثم اختير غيرها، ولذلك يصبح تحليل الخطاب بحثًا في الحضور والغياب معًا وفي الصوت والصمت وفي المركز والهامش وفي المنطوق والمسكوت عنه.

إننا اعتدنا أن نبحث في الخطاب السياسي عن الجملة القوية والتعبير المؤثر والاستعارة اللافتة والحجة المقنعة والرقم الذي يمنح الكلام صدقيته، لكن ربما كان علينا أن نتعلم كذلك كيف نبحث عن الجملة الغائبة عن ذلك الجزء الذي يشعر القارئ أنه كان ينبغي أن يكون هنا ثم لا يجده وعن الاسم الذي دارت حوله الكلمات كلها دون أن تنطقه وعن الإجابة التي اقترب منها المسؤول ثم تركها وعن القضية التي ازدحم بها الواقع بينما خلا منها البيان، فهذه الفراغات ليست هوامش عديمة القيمة بل قد تكون أبوابًا صغيرة تقود إلى طبقات أعمق من التفكير السياسي.

لهذا لا تُكتب السياسة بالحبر وحده بل تكتب جزءًا من رسائلها بالمساحات البيضاء التي تتركها بين الكلمات وبالثواني التي تمر بين السؤال والجواب وبالأسماء التي تعرفها ولا تنطقها وبالمواقف التي تؤجل إعلانها وبالعبارات التي تقف عند حافة المعنى ثم تترك للمتلقي أن يكمل الطريق، وربما لهذا السبب تكون قراءة الخطاب السياسي أصعب بكثير من قراءة لغته الظاهرة؛ لأن القارئ العادي يسأل ماذا قيل بينما القارئ الحصيف يضيف إلى ذلك سؤالًا آخر أعمق دلالة: ماذا كان ينبغي أن يُقال هنا ولماذا تُرك مكانه فارغًا؟

وفي هذا تكمن بلاغة الفراغ السياسي في أجمل صورها حين يتحول الغياب من عدم إلى علامة ويتحول الصمت من انقطاع للكلام إلى طريقة أخرى للكلام ويتحول المحذوف من شيء خارج النص إلى جزء من بنيته، وحين ندرك أن بعض الخطابات تقول لنا الكثير بما تمنع نفسها من قوله وأن بعض البيانات تخفي موقفها الحقيقي في المسافة الواقعة بين عبارتين وأن بعض السياسيين يتقنون هندسة الصمت كما يتقنون هندسة الجملة نعرف عندها أن السياسة ليست فقط فن اختيار الكلمات المناسبة في اللحظة المناسبة بل هي كذلك فن معرفة أي الكلمات ينبغي ألا تُقال، وأي الأسماء ينبغي أن تبقى خارج السطر، وأي الإجابات ينبغي أن تنتظر، وأي فراغ ينبغي أن يظل مفتوحًا لأن إغلاقه بكلمة واحدة قد يغيّر المشهد كله.