النهار
بقلم ـ د.فايز الاحمري
مع إطلالة عامٍ دراسيٍّ جديد، لا تبدأ المسيرة من جرس المدرسة ، ولا من صفحات الكتب، ولا من طابور الصباح؛ بل تبدأ قبل ذلك بكثير، من بيتٍ يزرع الطمأنينة، ومدرسةٍ تفتح أبوابها بالشغف، ومجتمعٍ يؤمن أن صناعة الإنسان ليست مهمة مؤسسة واحدة، وإنما مسؤولية تتكامل فيها الأدوار، وتتآزر فيها الجهود.
إن فلذات الأكباد لا يحتاجون إلى أن نخبرهم فقط بأن المدرسة طريق النجاح، فقد سمعوا هذه العبارة حتى غدت مألوفة لا تحرك فيهم ساكناً؛ وإنما يحتاجون إلى أن يعيشوا معنى النجاح، وأن يلمسوا أثر العلم في حياتهم، وأن يروا في المدرسة فضاءً رحباً لاختبار قدراتهم، واكتشاف مواهبهم، وبناء شخصياتهم.
ومن هنا تأتي مسؤولية الأسرة بوصفها المدرسة الأولى، التي تهيئ النفس قبل أن تهيئ الحقيبة، وتغرس في الأبناء قيمة الانضباط، واحترام الوقت، وحب المعرفة، والثقة بالنفس. فالطالب الذي يدخل عامه الدراسي وهو محاط بالدعم والاحتواء، يعرف أن خلفه أسرة تؤمن بقدرته، سيكون أكثر استعداداً لخوض التجربة بروح مختلفة، لا بروح الخوف من الاختبار، أو رهبة الدرجات.
ثم تأتي المدرسة لتكمل البناء، لا باعتبارها مكاناً لتلقين المعلومات فحسب، وإنما باعتبارها بيئة لصناعة الشخصية ، فالمدرسة الجاذبة ليست جدراناً ملونة، ولا شعارات معلقة في الممرات؛ إنها معلمٌ يوقظ الفضول، ونشاطٌ يكتشف موهبة، ومختبرٌ يحول المعرفة إلى تجربة، ومسرحٌ يمنح الخجول فرصة للتعبير، وملعبٌ يعلّم التعاون والانضباط، ونادٍ يفتح أمام الطالب نافذة على آفاق لم يكن يعرفها.
لقد آن الأوان أن ننتقل من التعليم الذي يثقل الذاكرة إلى التعليم الذي يبني العقل والوجدان والمهارة ، فليس المقصود أن نملأ اليوم الدراسي بالمعلومات حتى التخمة، ثم ننتظر من الطالب أن يستعيدها في ورقة اختبار؛ بل أن نمنحه فرصة ليتعلم بالسؤال، ويكتشف بالتجربة، ويخطئ بأمان، ويصحح مساره، ويشارك في صناعة تعلمه.
إن كسر رتابة اليوم الدراسي لا يعني التقليل من قيمة الدرس ، وإنما يعني أن نجعل الدرس أكثر حياة ، فالعلوم يمكن أن تُرى في تجربة، واللغة يمكن أن تُعاش في حوار، والتاريخ يمكن أن يتحول إلى قصة ومشهد، والرياضيات يمكن أن تصبح لعبةً وتحدياً، والمهارات الحياتية يمكن أن تُكتسب بالممارسة لا بالحفظ.
وعندما يصبح الطالب والطالبة محور العملية التعليمية، يتحول التعليم من واجب ثقيل إلى رحلة اكتشاف ممتعة.
وهنا تتسع دائرة المسؤولية لتشمل مؤسسات المجتمع الأخرى؛ فالمراكز الثقافية والرياضية، والجهات التطوعية، والمؤسسات المهنية، والقطاع الخاص، والبيئات التقنية، كلها قادرة على أن تمد المدرسة بخبرات وتجارب تجعل التعليم أكثر اتصالاً بالحياة ، وما أجمل أن يرى الطالب أن ما يتعلمه في فصله يمكن أن يتحول إلى مشروع، وأن موهبته يمكن أن تجد من يرعاها، وأن فكرته الصغيرة قد تصبح يوماً عملاً نافعاً لوطنه !
ولعل الأهم من ذلك كله أن نعيد تعريف علاقتنا بأبنائنا وبناتنا؛ فلا نريد منهم أن يكونوا مجرد متلقين للتوجيه، ولا أن يعيشوا على وقع عبارات محفوظة من قبيل: "أنتم جيل المستقبل" و"بالعلم تبنى الأوطان"، ثم لا نعطيهم مساحة حقيقية ليبرهنوا على ذلك.
فلننتقل من القول إلى الفعل، ومن الثقة اللفظية إلى الثقة الممارسة ، امنحوهم مسؤوليات حقيقية، وأشركوهم في المبادرات، واستمعوا إلى أفكارهم، وكلفوهم بمهام تناسب أعمارهم، ودعوهم يختبرون معنى خدمة مجتمعهم ووطنهم ، فالثقة لا تُمنح بالكلمات وحدها، وإنما تُبنى حين يشعر الناشئ أن لصوته قيمة، ولجهده أثراً، ولمبادرته مكاناً.
وفي ظل قيادة رشيدة جعلت بناء الإنسان ، وتنمية قدراته ، واستثمار طاقاته ركناً أصيلاً في مسيرة الوطن، فإن مسؤوليتنا أن نهيئ جيلاً لا يكتفي بالفخر بما تحقق، بل يمتلك أدوات الإسهام فيما سيتحقق ، جيلاً يعرف دينه، ويعتز بهويته، ويحترم وطنه، ويجيد مهارات العصر، ويملك القدرة على التفكير والمبادرة والعمل بروح المسؤولية.
إن العام الدراسي الجديد فرصة تتجاوز عودة الطلاب إلى مقاعدهم؛ إنه موعد متجدد لإعادة النظر في الطريقة التي نريد أن نربي ، ونعلم بها أبناءنا.
فلنجعل المدرسة مكاناً يُنتظر لا مكاناً يُحتمل، والدرس تجربةً تُعاش لا مادةً تُحفظ، والنشاط نافذةً للمواهب لا فقرةً هامشية ، والأسرة شريكاً لا متابعاً، والمجتمع حاضناً لا متفرجاً.
فالأوطان لا تبني مستقبلها بكثرة الكتب وحدها، وإنما بعقولٍ أُتيح لها أن تفكر، ونفوسٍ أُتيح لها أن تثق، ومواهبَ وجدت من يكتشفها، وأيدٍ صغيرة تعلمت مبكراً أن خدمة الوطن ليست شعاراً يُردد، بل مسؤولية تُمارس.
وحين تتكامل الأسرة والمدرسة والمجتمع، يصبح جرس البداية إيذاناً بشيء أكبر من عام دراسي جديد؛ يصبح إيذاناً بموسمٍ جديد من صناعة الإنسان، ذلك الإنسان الذي نريد له أن يكون غداً : واعياً بدينه، وفياً لوطنه، واثقاً بقدراته، نافعاً لمجتمعه، وقادراً على أن يحمل راية المستقبل بثبات واقتدار.