الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ أغسطس-٢٠٢٦       20955

بقلم ـ د. شادي الكفارنه
أفرز العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة آلاف الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما، كما أوجد فئة أشد قسوة عُرفت بـ"الناجين الوحيدين"، وهم الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم بالكامل؛ الآباء والأمهات والأشقاء، ولم يبقَ منهم سوى طفل واحد نجا من الغارات الإسرائيلية، هؤلاء الأطفال لم يفقدوا أفراد أسرهم فحسب، بل فقدوا أيضاً مصدر الأمان والانتماء والاستقرار، لينتقل كثير منهم إلى أسر حاضنة أو مستضيفة تحاول احتواءهم في ظل واقع إنساني شديد التعقيد، ويفرض هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول قدرة الأسر البديلة (الحاضنة- المستضيفة) على بناء شخصية الطفل الناجي الوحيد نفسيا وتربويا واجتماعيا، فهل تستطيع هذه الأسر تعويض جزء من الفقد الذي تعرض له الطفل؟ وإن لم تستطع، فهل نحن أمام جيل يعاني شخصيات ضعيفة نفسيا، مهزوزة فكريا، ومهزومة اجتماعيا، ومقهورة أسريا؟ وهل يمكن في ظل هذه الظروف بناء مجتمع قوي قادر على صناعة حياة مدنية يسودها الود والسلام؟ إنها أسئلة تبقى رهينة لما ستؤول إليه عملية التنشئة ومستقبل هؤلاء الأطفال.
من الطبيعي أن ينشأ الأبناء في أسرة مستقرة ينعمون فيها بحنان الأم وسند الأب، إلا أن العدوان الإسرائيلي في غزة شتّت الأسر، الأمر الذي يطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة الأسر البديلة على تعويض هذا الفقد، وتوفير بيئة آمنة تسهم في بناء شخصية الطفل نفسيا وتربويا واجتماعيا، فالعدوان الإسرائيلي لا يتوقف آثاره عند لحظة الفقد، بل تمتد لتنعكس على جيل يعاني هشاشة نفسية واضطرابات اجتماعية قد يمتد أثرها إلى مستقبل المجتمع بأسره.
ولا شك أن الأسر البديلة أصبحت اليوم تشكل ظاهرة مجتمعية في قطاع غزة، بما يعكس حجم الاهتزاز الاجتماعي والخلل الأسري الذي فرضته الحرب على المجتمع الغزي، كما أن انتقال الأطفال إلى أسر جديدة يمثل شكلًا من أشكال إعادة التكيف مع حياة غير مألوفة، وهو ما يضع المجتمع أمام خيارات غير مضمونة النتائج قد تؤثر في نجاح العملية التربوية، فإذا كانت الأسرة، رغم وجود الوالدين، قد تتعرض لاهتزازات اجتماعية واضطرابات نفسية وتوترات أسرية تنعكس على الأبناء وسلوكهم، فكيف يكون الحال مع طفل فقد والديه وأسرته كاملة، ثم وجد نفسه مطالبا بالعيش داخل أسرة جديدة تختلف في ظروفها وأساليبها؟ 
إن الأطفال فاقدو الوالدين في غزة يعانون من صدمات نفسية عميقة تتمثل في الحزن المزمن، وانعدام الشعور بالأمان، وضعف الثقة بالنفس، وقد تظهر لديهم اضطرابات سلوكية مثل العدوانية أو الانسحاب الاجتماعي، إلى جانب أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، كما يحرم كثير منهم من طفولتهم الطبيعية، ولا سيما الأبناء الأكبر سنا الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى تحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم.
ولا تقف التحديات عند الجانب النفسي، بل تمتد إلى صعوبة الاندماج الاجتماعي داخل الأسر الجديدة التي تختلف في أساليب التربية والعلاقات الأسرية، وهو ما قد يضعف شعور الطفل بالانتماء ويجعله يعيش صراعا بين ذكريات أسرته الأصلية ومحاولة التأقلم مع واقعه الجديد، كما تنعكس الصدمة على تحصيله الدراسي، فتضعف قدرته على التركيز والتعلم، الأمر الذي يستدعي توفير دعم نفسي وتربوي مستمر، ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الأسر الحاضنة أو المستضيفة في توفير الرعاية والحماية لهؤلاء الأطفال، فإن نجاح هذه التجربة لا يتحقق بتوفير المأوى وحده، وإنما يحتاج إلى برامج متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي، وإعداد هذه الأسر للتعامل مع الأطفال الذين فقدوا والديهم في الحرب، بما يعزز شعورهم بالأمان، ويحافظ على هويتهم وكرامتهم، ويساعدهم على استعادة قدرتهم على الاندماج في المجتمع، 
إن ازدياد أعداد الأطفال فاقدي الوالدين في غزة يجعل من الرعاية البديلة قضية مجتمعية وإنسانية تتطلب استجابة متكاملة من المؤسسات الرسمية والدولية، فحماية هؤلاء الأطفال ليست مسؤولية إنسانية فحسب، بل هي استثمار في مستقبل مجتمع يسعى إلى التعافي بعد واحدة من أكثر الحروب قسوة على الأسرة والطفولة، لأن مستقبل هؤلاء الأطفال هو في النهاية مستقبل المجتمع بأكمله.