الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ أغسطس-٢٠٢٦       2750

بقلم ـ عبد الرحمن بن شديد الفهمي

ليست كل الاتفاقيات تُقاس بما كُتب في بنودها، فبعض الاتفاقيات تحمل في توقيتها ومكانها وأطرافها رسائل تتجاوز النصوص، وتفتح أبوابًا لمرحلة جديدة من العلاقات الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، تبرز  اتفاقية مكة  للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، باعتبارها خطوة مهمة نحو بناء إطار دفاعي أكثر تكاملًا، يعزز التنسيق ويرفع من مستوى الجاهزية والقدرة على مواجهة التحديات.

 

أن تأتي هذه الاتفاقية من مكة المكرمة تحديدًا، فإن للمكان دلالته ورمزيته؛ فمكة ليست مدينة عادية، بل قلب العالم الإسلامي ومهوى أفئدة المسلمين. ولذلك فإن الاتفاق الذي يحمل اسمها ومكان توقيعه يكتسب بعدًا معنويًا وسياسيًا يليق بثقل الدول الثلاث ومكانتها في العالم الإسلامي.

 

السعودية وباكستان وتركيا ليست دولًا هامشية في معادلات الأمن الإقليمي والدولي؛ فلكل دولة منها ثقلها وموقعها وقدراتها وخبراتها، وعندما تلتقي هذه المقومات ضمن إطار دفاعي مشترك، فإن الناتج الطبيعي هو تعزيز القدرة على الردع، وتبادل الخبرات، ورفع مستوى التنسيق، وتطوير منظومة أكثر تكاملًا في مواجهة المخاطر.

 

والردع هنا لا يعني الذهاب إلى المواجهة، بل يعني امتلاك القدرة التي تجعل الآخرين يفكرون جيدًا قبل الإقدام على أي تهديد أو اعتداء. فالدول القوية لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تسمح بأن تكون أمنها وسيادتها ومصالحها الوطنية رهينة لحسابات الآخرين.

 

إن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم والمنطقة تفرض على الدول إعادة النظر في مفهوم الأمن الجماعي، والانتقال من التعاون الظرفي إلى الشراكات الاستراتيجية طويلة المدى. وهذا ما يجعل الاتفاقية ذات أهمية خاصة؛ لأنها تفتح المجال أمام مزيد من التكامل في المجالات الدفاعية، وتبادل الخبرات، والتنسيق في مواجهة التحديات التي تتجاوز حدود الدول.

 

كما أن هذه الشراكة تحمل رسالة واضحة مفادها أن الدول الثلاث تنظر إلى أمنها باعتباره منظومة مترابطة، وأن تعزيز القدرات الدفاعية لا يستهدف أحدًا، بقدر ما يهدف إلى حماية الأوطان وصون السيادة ودعم الاستقرار.

 

وفي ظل عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، لم تعد القوة العسكرية وحدها هي معيار القدرة على حماية المصالح، بل أصبح التكامل بين القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والتقنية عنصرًا أساسيًا في بناء النفوذ والقدرة على التأثير.

 

وهنا تحديدًا تظهر أهمية المملكة العربية السعودية في هذه المعادلة؛ فالمملكة اليوم لا تتحرك بمنطق رد الفعل، وإنما بمنطق بناء الشراكات التي تخدم مصالحها الوطنية وتعزز أمنها واستقرارها، في ظل رؤية سياسية تنظر إلى المملكة بوصفها دولة مؤثرة وفاعلًا رئيسيًا في محيطها الإقليمي والدولي.

 

أما باكستان، بما تمتلكه من قدرات عسكرية وخبرات استراتيجية وموقع جغرافي بالغ الأهمية، وتركيا بما تملكه من إمكانات دفاعية وصناعات عسكرية متقدمة وخبرة واسعة في المجال الأمني، فإن جمع هذه القدرات مع الثقل السعودي يفتح مساحات واسعة للتعاون والتكامل.

 

ولعل الأهم أن هذه الاتفاقية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حدثًا منفصلًا عن سياق إقليمي ودولي واسع، بل باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل مفهوم الشراكات الأمنية في المنطقة، حيث أصبحت الدول أكثر إدراكًا لحقيقة أن الأمن المستدام يُبنى بالشراكات، وأن الاستقرار يحتاج إلى قوة تحميه.

 

إن  اتفاقية مكة  للدفاع المشترك تحمل في جوهرها رسالة سياسية وأمنية بالغة الوضوح: نحن نؤمن بالسلام، لكن السلام الذي يحميه الردع، ونؤمن بالتعاون، لكن التعاون الذي يحفظ السيادة، ونؤمن بالاستقرار، لكن الاستقرار الذي يستند إلى قوة قادرة على حمايته.

 

ومن مكة المكرمة، حيث اجتمعت إرادة ثلاث دول شقيقة، يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة من التعاون الدفاعي، عنوانها الثقة والتكامل والمصالح المشتركة.

 

ففي عالم لا مكان فيه للفراغ، فإن بناء القوة ليس ترفًا، والتحالفات ليست مجاملة، والشراكات الاستراتيجية ليست شعارات.

إنها أدوات لحماية الأوطان وصناعة الاستقرار.

وهكذا تأتي  اتفاقية مكة  لتقول إن السعودية وباكستان وتركيا اختارت أن تكون شراكتها عنوانًا للقوة المسؤولة، وأن يكون أمنها واستقرارها ومصالح شعوبها فوق كل الحسابات