الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يوليو-٢٠٢٦       2200

بقلم-مبارك بن عوض الدوسري

جاء صدور المرسوم الملكي بالموافقة على  نظام التعليم العام  في توقيت بالغ الأهمية، ليؤكد أن المملكة العربية السعودية تمضي بخطى واثقة نحو بناء منظومة تعليمية حديثة، تستجيب للتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مفاهيم التعليم، وأساليبه، وأدواته، ومتطلباته المستقبلية؛ وأنه لم يعد التعليم اليوم مجرد نقلٍ للمعرفة داخل الفصول الدراسية، بل أصبح استثماراً وطنياً طويل الأمد في الإنسان، ومحركاً رئيساً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأحد أهم عناصر التنافسية بين الدول.
إن المتغيرات العالمية، التي فرضتها الثورة الصناعية الرابعة، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والاقتصاد المعرفي، وسوق العمل المتغير، تستدعي وجود إطار نظامي متكامل يضمن قدرة التعليم على مواكبة هذه التحولات، وهو ما جاء به هذا النظام الذي يمثل نقلة نوعية في مسيرة التعليم السعودي، ويؤسس لمرحلة أكثر نضجاً في الحوكمة، والتنظيم، وجودة المخرجات.
ولعل من أبرز ما يميز النظام الجديد أنه لم يقتصر على تنظيم الجوانب الإدارية، بل رسم خارطة طريق متكاملة لحوكمة التعليم العام، من خلال تحديد الأدوار والمسؤوليات بين وزارة التعليم، ومجلس شؤون التعليم العام، والجهات ذات العلاقة، بما يرفع كفاءة صناعة القرار، ويعزز التنسيق بين مختلف مكونات المنظومة التعليمية، ويضمن وضوح المسؤوليات والمساءلة، وهي من أهم مقومات نجاح أي مشروع تطويري.
كما يعكس النظام إيمان القيادة الرشيدة -حفظها الله- بأن جودة التعليم لا تتحقق إلا من خلال بيئة تعليمية متكاملة، ولذلك أولى اهتماماً كبيراً بحقوق الطالب والمعلم، وتوفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، وترسيخ دور الأسرة باعتبارها شريكاً أساسياً في العملية التعليمية، وهو توجه يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية التي تؤكد أن نجاح المدرسة يبدأ من تكامل أدوارها مع الأسرة والمجتمع.
ومن الجوانب المهمة في النظام، فتح آفاق أوسع أمام القطاعين الخاص وغير الربحي للمشاركة في تطوير التعليم، وفق ضوابط تنظيمية واضحة تحفظ جودة الخدمات التعليمية، وتزيد من فرص الاستثمار النوعي، وتوسع الخيارات أمام الأسر، بما يسهم في خلق بيئة تعليمية أكثر تنوعاً ومرونة وقدرة على الابتكار، وهو أحد مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تنظر إلى التعليم بوصفه قطاعاً تنموياً واستثمارياً في آن واحد.
كما يستحق الإشادة اهتمام النظام بمراحل الطفولة المبكرة، باعتبارها المرحلة التي تتشكل فيها شخصية الإنسان وقيمه ومهاراته الأساسية، إضافة إلى العناية بالطلاب ذوي الإعاقة، والموهوبين، وتقديم خدمات تعليمية أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم، وهو ما يعكس توجهاً إنسانياً وتربوياً يضع الطالب في قلب العملية التعليمية، ويؤكد أن التعليم حق للجميع دون استثناء.
ومن أبرز مؤشرات مواكبة النظام للمستقبل تضمينه أحكاماً تتعلق بالتعليم الإلكتروني والتعليم المستمر، وهو اعتراف واضح بأن التعلم لم يعد مرتبطاً بزمان أو مكان، وأن المدرسة الحديثة أصبحت جزءاً من منظومة تعليمية مرنة تستفيد من التقنيات الرقمية، وتوفر فرص التعلم مدى الحياة، بما يتوافق مع التحولات العالمية في هذا المجال.
ولا يمكن إغفال أن هذا النظام يأتي امتداداً لمسيرة التطوير التي يشهدها قطاع التعليم في المملكة خلال السنوات الأخيرة، والتي شملت تحديث المناهج، وتطوير المعلم، والتحول الرقمي، وتعزيز جودة الأداء، والربط بين التعليم واحتياجات التنمية وسوق العمل، ليضيف اليوم بعداً تشريعياً وتنظيمياً يضمن استدامة هذه الإنجازات، ويمنحها إطاراً قانونياً واضحاً يدعم استمراريتها.
إن التعليم السعودي يقف اليوم أمام مرحلة تاريخية جديدة، عنوانها الحوكمة، والجودة، والمرونة، والشراكة، والاستثمار في الإنسان؛ ومن هنا فإن صدور  نظام التعليم العام  ليس مجرد إصدار تنظيمي جديد، بل هو قرار استراتيجي يعكس الرؤية الثاقبة للقيادة الرشيدة في بناء تعليم ينافس عالمياً، ويخرج أجيالاً تمتلك المعرفة، والمهارة، والقيم، والقدرة على صناعة المستقبل.
ويبقى النجاح الحقيقي لهذا النظام مرهوناً بحسن تطبيقه، والتكامل بين جميع الجهات ذات العلاقة، وإيمان الميدان التعليمي برسالته وأهدافه، لأن الأنظمة مهما بلغت دقتها، لا تحقق غاياتها إلا عندما تتحول إلى ممارسات واقعية تنعكس على الطالب داخل الفصل، وعلى المعلم في أدائه، وعلى المدرسة في رسالتها، وعلى المجتمع في تنميته؛ وإذا تحقق ذلك، فإن المملكة ستكون قد وضعت لبنة جديدة في بناء نموذج تعليمي وطني رائد، قادر على مواكبة العصر وصناعة المستقبل، ومتسقاً مع طموحات رؤية السعودية 2030 في بناء الإنسان أولاً، لأنه أساس التنمية وغايتها.