النهار
بقلم - الدكتورة : إيمان حماد الحماد بنت النور
أشرقَ الصبحُ وغنّى...
تفتّحتِ العينُ الذهبيةُ عن نورٍ ندي، وانسكبَ الضياءُ سخيًّا كالفيضِ الهادي؛ فإذا الأفقُ ثوبٌ من الأرجوانِ يُطرَّز، وإذا الغيمُ خدٌّ من القطنِ يتورّد. نادى الديكُ فاستيقظتِ الحقول، وناغى الطلُّ فابتسمتِ الورود. تراقصتِ الأشعةُ على صفحةِ الغدير، فإذا الماءُ مرآةٌ تزيّنها اللآلئُ والحرير.
وللصباحِ بركةٌ لا تُضاهى، وسرٌّ في أنفاسهِ الأولى تتوق إليه النفوس وتتراءى؛ ففيه تُفتَحُ أبوابُ الرزقِ على مصاريعها، وتُبسَطُ موائدُ الخيرِ بجميع منافعها. من بكّرَ في طلبهِ أدركَ غايته، ومن ودّعَ الفراشَ باكرًا وافتهُ بركتُه وعنايته. فالصبحُ موعدُ الساعين، وميدانُ الطامحينَ الجادّين؛ فيه تُشحذُ الهممُ، وتُطوى المسافاتُ، وتُنالُ الغاياتُ.
مرّ النسيمُ عابثًا بأذيالِ السنابل، فتمايلتْ كأنها عذارى في المحافل. وتفتّحتِ الأكمامُ عن رحيقٍ معطّر، فعبِقَ الروضُ حتى غدا كالمسكِ الأذفر. غرّدَ البلبلُ لحنًا شجيًّا رخيمًا، فردّدتِ الأشجارُ صداهُ ترنيمًا. كأنّ الطبيعةَ عروسٌ تجلّتْ، وكأنّ الكونَ قيثارةٌ تألّقتْ.
هذا الصباح موطنُ البركة، ومطلعُ الخير والرحمة.
في ساعاته الأولى تنزلُ البركات، وتُقضى الحوائج، وتُكتب الأرزاق.
هو ساعةٌ يُجاب فيها الدعاء، ويُوسع فيها العطاء، فمن أدركه بقلبٍ شاكرٍ ونيةٍ صادقةٍ نال خيرًا كثيرًا.
فلا تُبقِ في قلبك كآبة الليل، ولا تحمل همّ الغد قبل مجيئه؛ فالصبح جاءك بوجهٍ مشرقٍ يحملُ لك أملًا جديدًا، وفرجًا قريبًا.
انظر إلى الكون كيف يبتسم، وإلى الطبيعة كيف تستبشر؛ فكن مثلها متفائلًا، واملأ روحك ثقةً بأنّ مع العسر يسرًا، ومع الظلام نورًا.
انهضْ مع إشراقته، وامشِ في دروبه واثقًا، فالرزقُ مكتوبٌ، والخيرُ مطلوبٌ، واللهُ في الصباح قريبٌ مجيب.
لا تكلّ ولا تملّ، فالسعيُ مع الإشراقِ بركةٌ، والجدُّ مع التوكلِ نجاحٌ.
كلّ زهرةٍ تفتح كفيها داعية، وكلّ نسمةٍ تمرّ تحمل أملًا جديدًا.
القلوب صفت من كدرها، وانتشت ببشارة الإشراق، فالعسير يصبح ميسورًا، والبعيد يصبح قريبًا.
أشرق الصبح وغنى، فالدنيا زهر، والآمال طير، والخير يأتيك بلا طلبٍ ولا ملل.
فامشِ في نوره، وارفع رأسك، فالسماء صافية، والغد أجمل مما تتخيل.
هكذا يولدُ الصبحُ من رحِمِ الظلام، ويُشرقُ الأملُ على أنقاضِ الأحلام. فكم من ليلٍ حالكٍ أعقبهُ فجرٌ منير! وكم من يأسٍ أعقبهُ رجاءٌ كبير! فلا تحزنْ إذا اشتدّ الظلام، فوراءهُ الصبحُ يُطلّ بالابتسام. وثِقْ أنّ مع العسرِ يسرا، وأنّ خلفَ الغيمِ شمسًا لن تُخلفَ موعدها أبدا.
فامضِ إلى دنياكَ ساعيًا لا وانيًا، واطلبِ الرزقَ من بابِ الرجاءِ لا من بابِ اليأسِ عانيًا. فالأرضُ فراشٌ مبسوط، والرزقُ فيها مضمونٌ لمن سعى وما تثبّط. لا تركنْ إلى الكسلِ فتخسرَ الفرصة، ولا تستسلمْ لليأسِ فتضيعَ منكَ القصة؛ فالمتفائلُ يرى في كلِّ صعوبةٍ بابًا، وفي كلِّ إغلاقٍ سبيلاً وانتسابا.
فيا أيها الصبح الذي أشرقَ وغنّى، ويا نورًا في القلبِ تجلّى، أنتَ الحياةُ إذا احلولكَ الزمان، وأنتَ الرجاءُ إذا خانَ الأمان. فيك بركةُ الأرزاق، وفيك بشائرُ الآمالِ العِذاق.
أشرقَ الصبحُ جميلًا زاهرًا
وتغنّى فوقَ أفقٍ ناضرِ
نثرَ الأضواءَ دُرًّا في الرُّبى
فغدتْ بالنورِ مثلَ الجواهرِ
ولهُ في كلِّ فجرٍ بركةٌ
تفتحُ الأبوابَ صوب البشائرِ
فاطلبِ الرزقَ ولا تركنْ إلى
كسلٍ يُفضي لسوءِ المصائرِ
وابتغِ الخيرَ بسعيٍ دائمٍ
فالتفاؤلُ جابرٌ للخاطرِ
كلُّ يأسٍ بعدَهُ فرحٌ أتى
وصباحٌ بعدَ ليلٍ عابرِ
فتفاءلْ وتوكّلْ دائمًا
واغتنمْ فجرًا أتى للشاكرِ