الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يوليو-٢٠٢٦       6050

بقلم - طارق محمود نواب

ليست  الصالونات الثقافية  أماكن يجلس فيها الناس متقابلين فحسب بل هي أماكن تجلس فيها الأرواح إلى جوار الأفكار فهناك تنفض اللغة عنها صدأ الاستهلاك وتشرق الكلمات بنداوتها الأولى وكأن الحروف تعود إلى مهدها القديم
ففي كل صالون يولد حوار يشبه نافذةً تُفتح في جدار الصمت وتولد فكرة تضيء أكثر مما تفعله مصابيح كثيرة. فالثقافة لا تعيش في الضجيج بل في ذلك الهمس العميق الذي يغيّر الإنسان من الاعماق دون أن يرفع صوته.
وأحسب أن  الصالونات الثقافية  اليوم هي رئة المشهد الثقافي ومربط الفرس في صناعة الوعي. ففي زمنٍ تتسابق فيه الأصوات إلى الظهور تبقى هذه المجالس وفيةً لجوهر الكلمة وحارسةً لهيبة اللغة وسدنةً للذائقة الرفيعة. حيث إنها تمنح الفكر فرصةً ليزهر قبل أن يُقطف وتمنح الموهبة زمنًا لتنضج قبل أن تُعرض على الناس.
وما أجمل أن تتحول هذه الصالونات إلى مواسم دائمة للعطاء الفكري حيث يلتقي الكاتب بالقارئ والشاعر بالناقد والمفكر بالباحث فتتجاور الرؤى دون خصومة وتتباين الأفكار دون قطيعة. فالثقافة لا تزدهر حين تتشابه الأصوات بل حين يتحاور الاختلاف في ظل الاحترام. وكل مجلس ينجح في إنقاذ فكرة من التهميش أو قلم من العزلة أو موهبة من النسيان إنما يضيف إلى ذاكرة الوطن صفحة لا يطويها الزمن.
ولا تُقاس قيمة الصالونات بعدد الكراسي الممتلئة بل بعدد العقول التي تغادرها وهي أرحب أفقًا وبعدد القلوب التي تستعيد إيمانها بأن الثقافة ليست ترفًا بل طريقةٌ أجمل لفهم الحياة. فالحضارات لا تبدأ بخطبةٍ عالية بل بفكرةٍ صادقة ولا يخلد الإنسان بما قاله كثيرًا بل بما تركه في أرواح الآخرين من نور. ولهذا ستبقى  الصالونات الثقافية  رئةً يتنفس منها المشهد الثقافي كلما ضاقت به المسافات واتسعت به الآمال.