بقلم: منيرة الهاجري
وما أدراك ما سدرة الجيران؟
سدرةٌ شامخةٌ تناطح السحاب بكبريائها وارفة الظلال عظيمة الثمار تقصدها الطيور مأمنًا ومأوًى من تقلُّبات الأيام والفصول. سخيَّةٌ تلقي بثمرها على قارعة الطريق كأنما تؤدّي زكاة الكرام.
ثمّ… ودون سابق إنذار نحرت السدرة.
رأيتها بعد عناقٍ طويلٍ للحياة ملقاةً على حافة الطريق تلفظ أنفاسها الأخيرة فيما أغصانها ما تزال حيّةً، مرتويةً، نابضةً بالخضرة كأن الحياة لم تغادرها بعد بل إن كل غصنٍ فيها لو قُدِّر له عمرٌ جديد لأثمر من جديد وصار سدرةً أخرى.
أمّا الطير فكان يحوم في ارتباكٍ مُقلق سربٌ يفرّ وآخر يعود أراه يبحث بين الفضاءات عن أعشاشه وصغاره
وعن المكان الذي كان قبل لحظةٍ فقط وطنًا!!
ولم يكن أمامه إلا أن يفرد جناحيه نحو أفقٍ جديد متعلّقًا بقشّةٍ أخرى من رجاء.
فهل أدرك بفطرته التي لم تفسدها الأسئلة أن الحياة بأكملها ليست إلا قشّة غريق يتشبث بها العابرون في بحر الفناء؟
فإذا به سؤالٌ يتسلّل من بين أغصان السدرة يجر الفكرة إلى أختها في معراج الفكر من سدرة الجيران عبورًا إلى شجرة الخلد وزعم مُلكٍ لا يبلى…إلى حقيقةٍ لا تتبدّل
أننا أبناءُ آدم انبتنا الله من الأرض نباتا
نفِر ونكر مذبذبين ثم لا نلبث أن نشتاق إلى طينتنا الأولى.
وعند أول عهد الحكاية ظنّ ابن آدم أنه قد وعى درس أبويه درس الفناء وحكمة اللاخلود في الحياة
غير أنّ الأيام ما تزال تعيد عليه الدرس مرارًا بأشكالٍ شتّى وصورٍ لا تنتهي.
ولعلّ الحكمة كل الحكمة أن يدرك الإنسان أنه ليس مالك الطريق بل سالكه،،،
فإذا كانت كلّ الطرق تؤوب، وكلّ الأشياء ماضيةً إلى مآلها، وكل محطةٍ ليست إلا وجهًا من وجوه العودة، فمن أقنع الكائنات أن الأرض منفى؟