بقلم: عبدالله الكناني
لم يعد أمن الممرات البحرية وحركة التجارة العالمية في الخليج العربي، ولا في سائر الممرات المائية الدولية، شأنًا يخص الدول المطلة عليها وحدها، ولا قضية محصورة في نطاق الجغرافيا الإقليمية، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في منظومة الأمن الدولي، لما تمثله هذه الممرات من ثقل اقتصادي واستراتيجي، وما ترتبط به من منشآت طاقة وخطوط تجارة ومصالح دولية متشابكة،فأي اضطراب في الخليج العربي لا يبقى داخل حدوده، بل تمتد آثاره سريعًا إلى أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وتكاليف النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، واستقرار الاقتصاد العالمي.
من هنا، فإن حماية أمن الخليج وممراته البحرية في رأيي ليست مسؤولية إقليمية فحسب، بل واجب دولي تفرضه طبيعة المصالح المشتركة وتشابكها،ويحتل مضيق هرمز موقعًا بالغ الحساسية في هذه المعادلة، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية والاستراتيجية في العالم،ولذلك فإن أي تهديد لحرية الملاحة فيه، أو استهداف للسفن التجارية، أو أي توظيف له بوصفه أداة للضغط السياسي والعسكري، لا يمثل اعتداءً على دولة بعينها، بل تهديدًا مباشرًا لقواعد التجارة الدولية وللاستقرار الاقتصادي العالمي.
ويقف في قلب هذه المعادلة إيران، بحكم موقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية المهددة لدول الجوار والتجارة ، وأذرعها الممتدة في عدد من ساحات الإقليم. غير أن الإشكالية لا تكمن في مكانة إيران بوصفها دولة كبيرة، بل في طبيعة السلوك السياسي والعسكري الذي انتهجته خلال عقود، والقائم على إدارة الأزمات، وتوسيع دوائر النفوذ، ودعم الميليشيات المسلحة، وتحويل بعض دول المنطقة إلى ساحات للصراع بالوكالة.
لقد أثبتت التجارب أن إيران لا تتعامل مع السلام بوصفه خيارًا استراتيجيًا ثابتًا، بقدر ما تتعامل معه أحيانًا باعتباره مساحة للمناورة وكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق،فهي ترفع في خطابها الأيديولوجي شعارات العداء للولايات المتحدة، وتصفها بـ (الشيطان الأكبر)، لكنها في المجال السياسي لا تتردد في التفاوض معها، والسعي إلى تخفيف العقوبات، والحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية.
وهنا تتجلى إحدى أبرز مفارقات السياسة الإيرانية؛ إذ تجمع بين الخطاب الثوري الصاخب والممارسة السياسية البراغماتية، وتوظف كليهما بحسب مقتضيات المرحلة، فهي تصعّد حين ترى في التصعيد وسيلة للضغط، وتفاوض حين تصبح الضغوط الاقتصادية أو العسكرية أكثر كلفة، ثم تعود إلى المماطلة متى شعرت بأن الوقت يعمل لمصلحتها.
ولذلك، فإن المشكلة ليست في مبدأ التفاوض ذاته؛ فالحوار يظل أداة ضرورية لتجنب الحروب، وإنما في تحويل التفاوض إلى مسار مفتوح بلا نهاية، يُستنزف فيه الوقت، وتُرحَّل فيه القضايا الجوهرية، وتُستبدل الملفات الأساسية بقضايا فرعية لا تمس جوهر الخلاف.
فالقضية الإيرانية لا تُختزل في البرنامج النووي وحده، على خطورته، بل تمتد إلى برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير أدوات الردع والهجوم، ودعم التنظيمات والميليشيات المسلحة، وبناء أذرع سياسية وعسكرية خارج الحدود، واستخدامها وسيلة لزعزعة أمن الدول والتأثير في قراراتها وسيادتها.
إن أي تفاوض لا يتناول هذه الملفات بوصفها منظومة مترابطة يظل تفاوضًا جزئيًا لا يعالج أصل الأزمة، فلا معنى لتجميد جانب من البرنامج النووي مع استمرار تطوير الصواريخ، ولا قيمة لاتفاقات مؤقتة إذا بقيت الأذرع المسلحة فاعلة في الإقليم، ولا جدوى من رفع العقوبات إذا استُخدمت الموارد المتاحة لاحقًا في تمويل مزيد من التوسع والنفوذ والصراعات.
وقد أظهرت التجارب أن طهران كثيرًا ما لا تُبدي مرونة حقيقية إلا تحت ضغط فعلي ومؤثر،وهذا ما يجعل الضغوط الأميركية، السياسية والاقتصادية والعسكرية، عاملًا حاضرًا في دفعها إلى إعادة حساباتها، مهما حاول خطابها الرسمي تصوير الأمر بصورة مختلفة.
غير أن الضغط الفاعل لا يعني بالضرورة الدعوة إلى حرب شاملة، كما أن رفض التراخي لا يعني الانحياز إلى الفوضى، فالمطلوب ليس الانفلات العسكري، وإنما بناء معادلة ردع واضحة تجعل كلفة التهديد والاعتداء أعلى من مكاسب المغامرة، وتضع حدودًا لا يمكن تجاوزها دون عواقب حقيقية.
وفي هذا السياق، ينبغي أن يكون للمجتمع الدولي موقف أكثر حزمًا واتساقًا، بعيدًا عن الانتقائية وازدواجية المعايير، فتهديد الملاحة البحرية، واستهداف المنشآت المدنية، ودعم الجماعات المسلحة، والتدخل في شؤون الدول، ليست ملفات قابلة للتأجيل أو التساهل؛ لأنها تمس صميم النظام الدولي القائم على احترام السيادة، وحرية التجارة، وعدم استخدام القوة خارج إطار الشرعية الدولية.
كما أن الحديث عن إجراءات أكثر صرامة، بما في ذلك ما يتيحه الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه دعوة إلى العقاب الجماعي، بل باعتباره أحد أدوات النظام الدولي لمواجهة التهديدات التي تمس السلم والأمن الدوليين، متى استُخدم وفق الضوابط القانونية، وبما يحمي المدنيين ويستهدف مصادر الخطر الفعلية.
فالغاية ليست معاقبة الشعب الإيراني، الذي تحمّل بدوره آثار العقوبات والأزمات والسياسات الاقتصادية الخاطئة، وإنما تصحيح سلوك الدولة، ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة دائمة للتوتر، وفتح المجال أمام الشعب الإيراني وشعوب الإقليم للعيش في بيئة أكثر أمنًا واستقرارًا وتنمية.
إن أمن الخليج العربي لا يتحقق بالشعارات، ولا بتراكم الأسلحة وحده، بل بمنظومة متكاملة من الردع، والدبلوماسية، والقانون الدولي، والتعاون الإقليمي، وحماية الممرات البحرية، وتجفيف منابع تمويل الجماعات المسلحة، وربط أي تفاوض بالتزامات واضحة ومحددة وقابلة للتحقق والرقابة.
كما أن استقرار المنطقة لن يُبنى على إدارة الأزمات، ولا على إبقاء النزاعات مشتعلة ضمن حدود محسوبة، وإنما على احترام سيادة الدول، ووقف التدخل في شؤونها، والتخلي عن أوهام التوسع والنفوذ، والانتقال من مشروع القوة الخشنة إلى مشروع الدولة والتنمية.
فالدولة القوية حقًا ليست التي تنشر الصواريخ والأذرع في محيطها، وإنما التي تبني اقتصادًا منتجًا، وتعليمًا متقدمًا، ومؤسسات مستقرة، ومجتمعًا آمنًا، وعلاقات تقوم على المصالح المتبادلة لا على الخوف والتهديد.
لقد آن للمجتمع الدولي أن يدرك أن أمن الخليج العربي ليس ملفًا موسميًا يُستدعى عند ارتفاع أسعار النفط أو تعطل الملاحة، ثم يُهمَل بعد تراجع التوتر، بل هو ركيزة من ركائز الأمن العالمي، وأي تهاون في حمايته يفتح الباب أمام أزمات تتجاوز المنطقة لتصيب العالم كله.
ويبقى الخيار الأكثر حكمة هو الجمع بين الحزم والحوار؛ حزم يمنع العدوان، وحوار لا يتحول إلى باب للمماطلة، وضغط لا يستهدف الشعوب، واتفاقات لا تقتصر على إدارة الوقت، بل تعالج جذور الأزمة: البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والأذرع المسلحة، وأمن الملاحة، واحترام سيادة الدول.
فحين يصبح أمن الممرات البحرية الدولية في الخليج العربي مهددًا، لا تكون المنطقة وحدها في دائرة الخطر، بل يصبح العالم بأسره أمام اختبار حقيقي: إما أن ينتصر القانون والردع والمسؤولية الدولية، وإما أن تبقى الأزمات مفتوحة، تنتقل من بحر إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى، حتى يدفع الجميع ثمن التأخر في مواجهتها.
إلى متى سيظل المجتمع الدولي يتابع هذا الخطر من موقع المتألم والمتفرج، في حين أن مسؤولياته القانونية والأخلاقية تفرض عليه الانتقال من بيانات القلق والإدانة إلى موقف دولي حازم يحمي الملاحة، ويردع الاعتداء، ويصون الأمن والسلم الدوليين؟