الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ يوليو-٢٠٢٦       3575

بقلم:د.منى يوسف الغامدي 
ليست النعم في حقيقتها ما يفيض على الإنسان من متاع الدنيا فحسب، وإنما ما يفيض على قلبه من قدرةٍ على إدراك فضل الله قبل أن يدرك حجم عطاياه. فكم من إنسان يملك الكثير، لكنه يعيش في فقر الامتنان، وكم من آخر لا يملك إلا القليل، غير أن قلبه ممتلئ بغنى الشكر، فيرى في كل يومٍ ميلادًا جديدًا لنعمة تستحق الحمد.

ولعل من أبلغ صور الغفلة أن تتحول النعمة إلى مشهدٍ مألوف، حتى يغيب حضورها عن الوجدان. فالإنسان يألف الصحة حتى ينسى أنها منحة، ويعتاد الأمن حتى لا يشعر بعظيم قيمته، ويستيقظ كل صباح بين أهله ووطنه وهو لا يدرك أن ملايين البشر في بقاع الأرض يتمنون ما يعيشه دون أن يجدوا إليه سبيلًا.

إن الشكر في المفهوم القرآني ليس استجابةً لنعمةٍ استثنائية، بل هو منهج حياة، وحالةٌ من اليقظة الروحية التي تجعل الإنسان يرى آثار اللطف الإلهي في التفاصيل الصغيرة قبل المشاهد الكبرى. فمن عرف المنعم، لم تعد النعم عنده أشياء تُستهلك، بل رسائل رحمةٍ تستحق أن تُستقبل بالحمد، وأن تُصان بحسن العمل.

ومن بين تلك النعم التي يعجز اللسان عن الإحاطة بقدرها، نعمة أن يجعل الله للإنسان نصيبًا من المدينة المنورة؛ سكنًا أو إقامةً أو حتى زيارة.

فالمدينة ليست مكانًا يُقاس بجغرافيته، ولا مدينةً تُعرّفها حدودها العمرانية، وإنما فضاءٌ روحي تتداخل فيه الأرض بالسماء، والتاريخ بالوجدان، حتى يغدو الزائر فيها شاهدًا على معنى من معاني السكينة التي لا تُفسرها المقاييس المادية.

في المدينة لا يبدو الزمن كما يبدو في سائر المدن. ثمة إيقاعٌ أكثر هدوءًا، وصمتٌ أكثر امتلاءً، وسكينةٌ لا تأتي من هدوء الشوارع وحده، وإنما من ذلك الإرث النبوي الذي ما زال يفيض على المكان منذ أن اختارها الله مهاجرًا لخاتم رسله ﷺ، ومنها انطلقت الرسالة التي غيّرت وجه التاريخ، وفي ثراها الطاهر وارى المسلمون الجسد الشريف لخير البرية.

ولذلك، فإن من يسكن المدينة لا يسكن حيًا من أحياء الأرض فحسب، بل يسكن ذاكرة الإسلام الحية. يستيقظ على نداء الصلاة الذي يتردد صداه في المكان ذاته الذي ردده فيه المؤذن الأول، ويمر في طرقاتٍ شهدت خطوات النبي ﷺ وصحابته، ويقف بين الحين والآخر أمام المسجد النبوي، فيدرك أن بعض النعم لا تُقاس بامتلاكها، وإنما بشرف القرب منها.

وربما كانت أعظم المفارقات أن الإنسان لا ينتبه أحيانًا إلى قيمة ما اعتاده. فأهل المدينة يمرون كل يوم بجوار المسجد النبوي، بينما يقطع ملايين المسلمين مشارق الأرض ومغاربها، مدخرين أعمارًا وأموالًا، طمعًا في صلاةٍ واحدة، أو سلامٍ واحد على رسول الله ﷺ، أو لحظةٍ يقفون فيها بين الروضة والمنبر وقد امتلأت قلوبهم رجاءً ودموعًا. إنها صورةٌ بليغة تذكرنا بأن النعم لا تفقد قيمتها حين تقل، وإنما حين يغيب عنها الوعي.

والمدينة تعلم ساكنها درسًا لا تنقله الكتب؛ أن الطمأنينة ليست ثمرة الوفرة، بل ثمرة القرب من الله. فكم من زائرٍ دخلها مثقلًا بأعباء الحياة، فإذا به يغادرها وقد خف حمل قلبه، لا لأن مشكلاته انتهت، بل لأن روحه استعادت ميزانها، وأيقنت أن فوق كل همٍّ رحمة، وفوق كل ضيقٍ فرجًا، وأن في جوار مسجد رسول الله ﷺ ما يوقظ في النفس يقينًا قد تخبو جذوته وسط صخب الحياة.

وفي زمنٍ تتسارع فيه إيقاعات العالم، وتزدحم فيه الأرواح قبل الطرقات، تبدو المدينة تذكيرًا دائمًا بأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى مزيدٍ من الأشياء، بل إلى مزيدٍ من السكينة. وأن أعظم الثروات ليست ما يُضاف إلى الحسابات، وإنما ما يُضاف إلى القلب من رضا، وإلى الروح من يقين، وإلى الحياة من بركة.

وليس المقصود من استحضار هذه المعاني أن نحتفي بالمكان احتفاءً عاطفيًا مجردًا، وإنما أن نستجيب لرسالته. فالمدينة ليست إرثًا تاريخيًا يُزار، بل مدرسةٌ في تهذيب النفس، وإحياء معاني الرحمة، وتعظيم الشعائر، وحسن الجوار، ورقة التعامل، وكمال الأدب مع الله ورسوله ﷺ. فمن لم تُثمر المدينة في قلبه خلقًا أسمى، ووعيًا أعمق، وشكرًا أوفر، فقد فاته من بركتها ما هو أعظم من مجرد الإقامة فيها.

وما أحوجنا، ونحن نتقلب كل يوم في نعم الله، أن نعيد تدريب قلوبنا على الاكتشاف؛ أن ننظر إلى ما اعتدناه بعين الامتنان لا بعين الاعتياد، وأن نستشعر أن فضل الله لا يتجلى في الأحداث الكبرى وحدها، بل في التفاصيل التي تتكرر حتى نظنها حقًا مكتسبًا، وهي في حقيقتها عطايا متجددة من الكريم سبحانه.

إن المدينة المنورة ليست مجرد عنوانٍ للسكن، بل امتحانٌ يومي للشكر، وفرصةٌ متجددة لاستحضار النعمة قبل أن تتحول إلى عادة، ولإدراك أن الله إذا اصطفى عبدًا بالقرب من مدينة نبيه ﷺ، فقد حمّله أمانةً قبل أن يمنحه فضلًا؛ أمانة أن يكون شاهدًا على أخلاقها، ورسولًا لسكينتها، ومترجمًا لقيمها في سلوكه قبل كلماته.

وهكذا تبقى المدينة، في وجدان المؤمن، ليست بقعةً على خارطة العالم، وإنما حالةٌ من الطمأنينة لا تشبهها مدينة، ودعوةً مفتوحة إلى أن يكون الشكر أسلوب حياة، وأن يكون استشعار النعم عبادةً لاتنقطع؛ حتى نلقى الله وقلوبنا عامرة بحمده؛ وألسنتنا رطبة بشكره؛ وأرواحنا مطمئنة بفضله.