الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ يونيو-٢٠٢٦       7040

بقلم-غازي العوني

تأمل في بديع صنع الله، تجد الكون كله شاهداً على حقيقة واحدة لا تحيد: *الوسط هو موطن النجاة، والإفراط والتفريط موطن الهلاك*.

من الذرة التي لا تسقط في نواتها ولا تشرد عنها، إلى الكواكب التي لا تصطدم بشمسها ولا تهيم في ظلمات الفضاء، إلى أنفاسك التي لا تزيد فتخنقك ولا تنقص فتذبلك... كل شيء قائم على ميزان دقيق لا يميل.

*تأملات في ميزان الكون:*

- *ميزان الحرارة*  
  ما قامت الحياة إلا في "المنطقة المعتدلة" بين لظى النار وجمود الجليد. فلو زادت حرارة الأرض قليلاً لاحترق الأخضر واليابس، ولو نقصت قليلاً لتجمد كل حي.  
  *والعبرة*: الغلو يحرق الزرع، والتقصير يميت الأمل، والاعتدال ينبت الحياة.

- *ميزان الحركة*  
  انظر إلى القمر، سائراً في فلكه منذ الأزل. لا هو ساقط على الأرض فيهلكها، ولا هو شارد عنها فيهلك نفسه. إنما هو سائر سيراً مقتصداً، لا إسراف فيه ولا تفريط.  
  *والعبرة*: البطء المفرط سقوط، والسرعة المفرطة شتات، والخطو المعتدل بقاء.

- *ميزان النفس*  
  قلبك بين أحوال إن أفرطت فيها هلكت: إن أفرطت في الراحة استولى عليك الكسل فأمات همتك، وإن أفرطت في الجهد استولى عليك القلق فأحرق قواك، وإن أفرطت في التفكير والهموم تسللت إليك الضيق النفسي بالمعارج فخنقت صدرك.  
  وإنما تستقيم حين تكون بينهما، في حال "القصد" الذي قال فيه الحكيم: خير الأمور أوسطها.  
  *والعبرة*: الخمول يصدأ الروح، والتوتر يحرق العقل، والضيق يخنق القلب، والاعتدال يصقل الإنسان.

*فما الرسالة؟*  
أيها الإنسان، الكون كله يخاطبك بلسان حاله: الزم الوسط تسلم. فما هلك من هلك إلا بمجاوزة الحد، وما ضاع من ضاع إلا بترك الجادة.

ولذلك كان وصف هذه الأمة بـ أُمَّةً وَسَطًا تشريفاً وتكليفاً. تشريفاً بأنها الأمة التي فقهت ناموس الكون، وتكليفاً بأن تكون شاهدة على الناس، لأنها لم تُفْنِ عمرها في شط الغلو، ولم تُبِدْ طاقتها في وهدة الجمود، فبقيت الأقدر على حمل الرسالة وعمارة الأرض.

*وسطية العصر*  
ليست الوسطية هروباً من الواقع أو جموداً على الماضي، بل هي أن تعيش واقعك بقدمين ثابتتين، وعين مفتوحتين.  
أن تنظر إلى دنياك بمنظار عصري يجدد، فتأخذ من القديم أحسنه، وتستوعب من الجديد أنفعه.  
وسطية العصر أن يكون فكرك متسعاً لا ضيقاً، متجدداً لا جامداً، أصيلاً لا مقلداً أعمى يتبع دون وعي. تعيش زمانك كما هو، وتطوره بما ينفع، دون أن تذوب فيه أو تنقطع عنه. 

*القاعدة الوسطية*  
الوسطية في حقيقتها سلوك إنسان واعٍ يختار البقاء في محيط الحقيقة. فمن بقي داخل هذا المحيط حُفظ عقله وقلبه وعمره.