الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ يونيو-٢٠٢٦       3300

بقلم ـ حذامى محجوب

ليست سبعة عقود مجرد رقم في عمر مؤسسة إعلامية، بل هي شهادة على القدرة على البقاء والتأثير والتجدد. وعندما يتعلق الأمر بمجلة “اليمامة”، فإن الحديث لا يدور حول مطبوعة صحفية استمرت عبر الزمن فحسب، بل حول مؤسسة ثقافية وإعلامية أسهمت في كتابة جزء مهم من تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث، ورافقت مسيرتها التنموية والفكرية منذ بدايات الدولة الحديثة وحتى مرحلة التحولات الكبرى التي تشهدها اليوم.
وإذا كانت “اليمامة” اليوم تحتفي بسبعة عقود من العطاء، فإن الفضل في انطلاقة هذا المشروع الإعلامي الرائد يعود إلى العلامة والمؤرخ والأديب السعودي حمد الجاسر، الذي نظر إلى الصحافة بوصفها مشروعاً ثقافياً وتنويرياً يسهم في بناء الوعي الوطني وحفظ الذاكرة التاريخية للمملكة. ومن خلال رؤيته الاستشرافية أسس منبراً جمع بين الثقافة والمعرفة والإعلام، لتتحول “اليمامة” مع مرور الزمن إلى واحدة من أبرز المؤسسات الصحفية حضوراً وتأثيراً في المشهد السعودي.
لقد ولدت “اليمامة” في مرحلة كانت فيها الصحافة العربية والخليجية تخطو خطواتها الأولى نحو التأسيس والاحتراف. منذ أعدادها الأولى لم تكتفِ بنقل الخبر، بل سعت إلى بناء فضاء ثقافي وفكري يعكس هوية المملكة ويواكب تحولات المجتمع، ما جعلها تتحول تدريجياً إلى مدرسة صحفية تخرج منها العديد من الأسماء التي أثرت الإعلام والثقافة في السعودية.
وتكمن أهمية “اليمامة” في أنها لم تكن مجرد شاهد على التحولات، بل كانت جزءاً منها. فقد رصدت مراحل بناء الدولة الحديثة، والتوسع العمراني، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقدمت قراءة متوازنة للحدث السعودي من خلال الجمع بين الخبر والتحليل ورصد نبض المجتمع.
وعلى امتداد سبعة عقود، لعبت “اليمامة” دور الجسر بين النخب الفكرية والثقافية والجمهور العام، إذ فتحت صفحاتها للمثقفين والكتّاب والأكاديميين، وأسهمت في إثراء النقاش حول قضايا التنمية والهوية والثقافة والإعلام، حتى أصبحت مرجعاً مهماً في فهم التجربة السعودية وتحولاتها.
كما أن قيمتها لا تقتصر على ما نشرته، بل تمتد إلى ترسيخ مفهوم الصحافة الوطنية المسؤولة، القائمة على التوازن بين المهنية والالتزام بقضايا الوطن، وبين الانفتاح على الأفكار الحديثة والحفاظ على الثوابت الثقافية والاجتماعية.
في الحقيقة، لم يدرك جيلي عهد حمد الجاسر ولا مرحلة خالد الشدي، لكن متابعتي لـ“اليمامة” بدأت خلال فترة رئاسة الدكتور فهد العرابي الحارثي للتحرير، وهي مرحلة تُعد من أبرز محطات التطوير في تاريخ المجلة الحديث. فقد اتجهت خلالها إلى تعزيز الصحافة الاستقصائية وطرح الملفات الجريئة، وتوسيع حضورها في الشأنين الاجتماعي والثقافي، ما منحها زخماً جديداً ورسّخ مكانتها في المشهد الإعلامي.
وقد أدرك الدكتور الحارثي أن المؤسسة الإعلامية العريقة لا يكفيها رصيدها التاريخي للاستمرار، بل تحتاج إلى تجديد أدواتها ومضامينها باستمرار. لذلك عمل على تطوير المحتوى التحريري وتعزيز البعد الثقافي والفكري للمجلة، واستقطاب المزيد من الأسماء البارزة من الكتّاب والمفكرين، بما مكّن “اليمامة” من الحفاظ على هويتها والانفتاح في الوقت ذاته على التحولات المتسارعة في المجتمع.
ولم يقتصر أثر تلك المرحلة على الشكل والمضمون، بل امتد إلى ترسيخ المجلة كمنصة للحوار الثقافي والفكري المسؤول، تُطرح من خلالها قضايا المجتمع والتنمية والإعلام بلغة تجمع بين العمق والوضوح، وهو ما جعل تلك المرحلة تُعد واحدة من أهم مراحل التجديد في مسيرتها.

فمن حمد الجاسر الذي وضع اللبنة الأولى لهذا الصرح الإعلامي، إلى الأجيال المتعاقبة من رؤساء التحرير والكتاب والصحفيين، وصولاً إلى عبدالله بن حمد الصيخان وعبدالعزيز حمود خزام، ظلّت “اليمامة” وفية لرسالتها بوصفها صوتاً للثقافة ومنبراً للفكر وسجلاً حياً لمسيرة وطن لا يتوقف عن صناعة المستقبل.