الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ يونيو-٢٠٢٦       5610

بقلم- د. طارق بن حزام

في زمنٍ تحوّلت فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى مسارح مفتوحة للفرجة على عثرات الناس، لم يعد بعضهم يكتفي بمتابعة أخبار الآخرين، بل صار يترقب لحظات سقوطهم، ويتعامل مع مصائبهم بوصفها مادةً للتعليق والسخرية وتصفية الحسابات. وكأن الإنسان قد مُنح عهدًا بالأمان من تقلّب الأيام، أو كُتب له أن يبقى بمنأى عن الابتلاء.

غير أن الحقيقة التي كثيرًا ما تغيب وسط ضجيج الشماتة، أن الإنسان لا يعيش بقوته، ولا بذكائه، ولا بمنصبه، ولا بما يملك من مال أو جاه، وإنما يعيش أولًا وأخيرًا بفضل الله وستره. وبين المرء والبلاء سترٌ من الله، لو رُفع طرفٌ منه لتبدلت الأحوال، ولانشغل كل إنسان بإصلاح نفسه قبل تتبع عثرات غيره.

ومن أشد صور الشماتة قسوةً، الطعن في الأنساب والانتقاص من الأصول والعائلات، وكأن المرء اختار نسبه بيده، أو اصطفى البيئة التي وُلد فيها بإرادته. وما الذي يربحه من يجعل أنساب الناس مادةً للازدراء؟ إن الطعن في الأصول لا يرفع قدر صاحبه، ولا يمنحه فضيلةً يفتقدها غيره، بقدر ما يكشف عجزه عن إدراك أن قيمة الإنسان الحقيقية لا تُوزن باسمٍ يحمله، ولا بلقبٍ يسبقه، وإنما بما يتحلى به من إيمان ومروءة وخلق كريم، وبما يقدمه من نفع لدينه ووطنه ومجتمعه. فالأنساب تُعرِّف الناس، أما الأخلاق فهي التي ترفع أقدارهم.

إن الشماتة ليست قوةً كما يتوهم البعض، بل قد تكون وجهًا من وجوه قسوة القلب وضعف البصيرة. فالعاقل إذا رأى مبتلًى لم يتعالَ عليه، بل رأى فيه مرآةً لاحتمالات الحياة وتقلباتها، فشكر الله على نعمة العافية، وسأله دوام الستر، ودعا لأخيه بالفرج والهداية. وكم من يدٍ أشارت إلى عثرة غيرها، ثم احتاجت يومًا إلى من يأخذ بيدها. وكم من ضاحكٍ من بلاء غيره، ساقته الأيام إلى البلاء نفسه، ليعلم أن الدنيا لا تثبت على حال.

وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى العظيم بقوله: «لا تُظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك». فالمؤمن لا يفرح بزلة أخيه، ولا يجعل من أخطائه وسيلةً لتعظيم نفسه، بل يحمل قلبًا رحيمًا، ولسانًا عفيفًا، ونفسًا تخشى تقلّب الأيام .

إن المجتمع الذي تسوده الرحمة، ويشيع فيه الستر، ويتسابق أفراده إلى المواساة بدل الإدانة، وإلى النصيحة بدل التشهير، هو مجتمع متماسك تحرسه الأخلاق وتحفظه الإنسانية. أما حين تتحول مصائب الناس إلى وسيلة للترفيه، وآلامهم إلى مادة للاستهزاء، فإن القيم تتآكل بصمت، وتفقد النفوس شيئًا من نقائها، حتى تصبح القسوة سلوكًا مألوفًا لا يستنكره أحد.

فلنتذكر دائمًا أننا جميعًا أصحاب تقصير، وأن ما ستره الله علينا أكثر مما نراه من عيوب غيرنا. فلنستبدل الشماتة بالدعاء، والسخرية بالنصيحة، وتتبع الزلات بحسن الظن والتمس العذر، سائلين الله أن يديم علينا وعلى وطننا نعمة الأمن والعافية، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

فنحن لا نعلم أيَّ الأدوار كتبتها لنا أقدار الله ؛ فقد نكون اليوم شهودًا على حكاية غيرنا، لكن أحدًا لا يدري من سيكون حكاية الغد. فطوبى لمن ستر، ورحم، ودعا بالعافية، ولم يجعل من مصائب الناس سُلَّمًا لعلو نفسه، بل جعل منها بابًا للاتعاظ، ومناسبةً لشكر الله على نعمة الستر، والخوف من تقلّب الأحوال.