بقلم - محمد الفايز
"كبرنا وصار عندنا عضلات"...
عبارةٌ قد تبدو للبعض تعبيرًا عن الثقة بالنفس لكنها في السياسة تفتح بابًا واسعًا للتأمل. فالدول ليست أجسادًا تُقاس بحجم العضلات ولا مشاريع استعراضية تُقاس بحدة التصريحات، بل كياناتٌ تُقاس بوزنها الحقيقي وتأثيرها وقدرتها على صناعة الاستقرار والإنجاز.
وعادةً لا تتحدث الدول الواثقة كثيرًا عن قوتها لأن إنجازاتها تتحدث عنها. أما الإفراط في استعراض القوة فهو غالبًا محاولةٌ لتعويض شيءٍ آخر لا تستطيع الكلمات إخفاءه مهما ارتفع صوتها.
فحين تتحول "العضلات" إلى مفردةٍ سياسية يصبح من حقنا أن نسأل: هل نحن أمام قوةٍ حقيقية أم أمام حالة استعراض؟ وهل نحن أمام ثقةٍ راسخة أم أمام قلقٍ مزمن من المقارنة بالآخرين؟
التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى لم تصنع مكانتها عبر الحديث المتكرر عن نفسها، بل عبر تراكم الإنجازات واحترام الجوار وبناء النفوذ الطبيعي. أما الذين يكثرون من استعراض القوة فهم غالبًا الأكثر انشغالًا بإثباتها.
ومن يتأمل بعض الخطابات الإعلامية في المنطقة يكتشف أن الحديث عن "العضلات" يترافق غالبًا مع حالةٍ أخرى أكثر وضوحًا: الانشغال الدائم بالسعودية.
ففي كل مناسبة تحضر السعودية وفي كل مقارنة تُستدعى السعودية، وفي كل محاولة لإثبات التفوق تكون السعودية هي المقياس. وهنا تكمن المفارقة الكبرى لأن من يعيش واثقًا من نفسه لا يقضي عمره في النظر إلى الآخرين بينما تكشف المقارنات المستمرة عن شعورٍ دفين بأن هناك لاعبًا أكبر لا يمكن تجاهل حضوره.
السعودية لم تصبح دولةً محورية بسبب خطابٍ إعلامي أو حملة علاقات عامة بل لأنها دولةٌ صنعت تأثيرها عبر التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والثقل السياسي والديني. ولذلك فإن مكانتها لا تحتاج إلى من يعلنها ولا إلى من يدافع عنها كل صباح ومساء.
ولهذا يبدو الحديث المتكرر عن العضلات أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ"العضلات الوهمية". عضلاتٌ كثيرة الظهور في التصريحات لكنها أقل حضورًا عند الحديث عن الوزن الحقيقي للدول وحجم تأثيرها في رسم المشهد الإقليمي.
فالقوة ليست أن تتحدث عن نفسك كثيرًا بل أن يتحدث الآخرون عنك. وليست أن تستعرض عضلاتك أمام الكاميرات بل أن تترك أثرًا يصعب تجاوزه في السياسة والاقتصاد والتنمية.
أما عقدة النقص فهي أن يظل الآخر حاضرًا في ذهنك أكثر من حضورك أنت في الواقع.
وفي النهاية تبقى الحقيقة بسيطة:
الدول الكبيرة لا تُقاس بحجم العضلات بل بحجم الإنجاز.
أما العضلات الوهمية فمهما بدت ضخمة في الخطاب والاستعراض فإنها تتلاشى سريعًا أمام حقائق الواقع واختبارات التاريخ.