الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يوليو-٢٠٢٦       3135

بقلم: د. مها ياسر

الأمثال الشعبية ليست مجرد عبارات متوارثة، بل هي خلاصة خبرات إنسانية تراكمت عبر الزمن. ومن أشهرها المثل المصري: “إن كان حبيبك عسل متخلصوا كله.” وهو مثل يدعو إلى الاعتدال وعدم استنزاف العلاقات مهما بلغت درجة المودة.

ولو نقلنا هذه الحكمة إلى عالم الإدارة والقيادة، فقد نصوغها على النحو التالي:

“إن كان مديرك عسل… متخلصوش كله.”

قد تبدو العبارة طريفة، لكنها تلامس واحدة من أكثر القضايا انتشارًا داخل المؤسسات، وهي: كيف تتحول العلاقة المتميزة بين المدير والموظف من مصدر للقوة إلى سبب للتوتر والاستنزاف؟

كثير من المديرين يبدأون علاقتهم بفرق العمل بمنح الثقة، وإتاحة الفرص، وإظهار المرونة، ومراعاة الظروف الإنسانية. لكن مع مرور الوقت، يفاجأ بعضهم بأن هذه المزايا أصبحت في نظر بعض الموظفين حقوقًا مكتسبة وليست امتيازات مبنية على الثقة. وهنا تبدأ العلاقة في التغير تدريجيًا.

المشكلة ليست في الدعم، وإنما في سوء إدارة هذا الدعم.

المدير الداعم… رأس مال تنظيمي

في أدبيات الإدارة الحديثة، لم يعد المدير مجرد شخص يصدر الأوامر، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في بناء بيئة عمل صحية وآمنة نفسيًا. فالمدير الذي يمنح موظفيه الثقة، ويشجعهم على التعلم من الأخطاء، ويمنحهم مساحة من الاستقلالية، يخلق مناخًا يزيد من الالتزام والإبداع والانتماء.

لذلك فإن المدير الداعم ليس ميزة شخصية، بل رأس مال تنظيمي ينبغي الحفاظ عليه.

وعندما يشعر المدير أن دعمه يُستغل أكثر مما يُقدَّر، فإنه غالبًا لا يتوقف عن الدعم فجأة، بل يبدأ في تقليل المبادرات، ويصبح أكثر تحفظًا، وتتحول العلاقة تدريجيًا من الثقة إلى الحذر.

ماذا تقول النظريات الإدارية؟

تفسر نظرية التبادل الاجتماعي (Social Exchange Theory) للعالم Peter Blau (1964) هذه الظاهرة بوضوح. فالعلاقات المهنية الناجحة تقوم على مبدأ الأخذ والعطاء. عندما يقدم أحد الطرفين الثقة أو الدعم أو الفرص، فإنه يتوقع استجابة إيجابية تتمثل في الالتزام، وتحمل المسؤولية، والإخلاص في الأداء. وعندما يختل هذا التوازن، تبدأ العلاقة في الضعف.

ويتفق مع ذلك ما طرحه J. Stacy Adams في نظرية العدالة (Equity Theory)، حيث يرى أن شعور أي طرف بعدم العدالة أو بعدم التوازن بين ما يقدمه وما يحصل عليه يؤدي إلى انخفاض الدافعية، وتراجع الرغبة في الاستمرار بنفس مستوى العطاء.

أما نظرية تبادل القائد والعضو (Leader–Member Exchange Theory - LMX) التي طورها George Graen ثم توسعت فيها Mary Uhl-Bien، فتوضح أن العلاقات المتميزة بين المدير والموظف لا تُبنى بالمجاملة، وإنما بالثقة والاحترام والالتزام المتبادل. وكلما حافظ الموظف على هذا التوازن، زادت جودة العلاقة، وارتفعت فرص التعلم والنمو والتطوير.

ومن هنا، فإن القيادة الحديثة لا تعني أن المدير يقبل كل شيء، كما أن الموظف الذكي لا يقيس نجاحه بعدد الاستثناءات التي يحصل عليها، وإنما بقدرته على المحافظة على علاقة مهنية مستقرة وطويلة الأمد.

لا تستهلك رصيدك المهني

هناك مفهوم قد لا نجده مكتوبًا في اللوائح، لكنه حاضر بقوة في جميع المؤسسات، وهو الرصيد المهني.

الرصيد المهني ليس عدد سنوات الخبرة، ولا حجم الإنجازات فقط، بل هو ذلك المخزون غير المرئي من الثقة والاحترام والمصداقية الذي يبنيه الموظف مع مديره وزملائه.

كل مرة يفي فيها الموظف بوعده، يلتزم بموعده، يتحمل مسؤولية خطأ، أو يقدم أداءً يفوق المتوقع، فإنه يضيف إلى هذا الرصيد.

وفي المقابل، فإن كل تأخير غير مبرر، أو طلب استثناء بلا ضرورة، أو استغلال لمرونة المدير، يمثل سحبًا من هذا الرصيد.

وتخيل موظفًا لديه مدير يتفهم ظروفه باستمرار، فيبدأ في طلب تأجيل المهام، أو المغادرة المبكرة، أو تجاوز بعض القواعد لأنه يعلم أن المدير “لن يرفض”. مع الوقت، لن تكون المشكلة في كثرة الطلبات فقط، بل في الرسالة التي تصل إلى المدير: أن ثقته أصبحت تُستهلك أكثر مما تُقدَّر.

وهنا تبدأ العلاقة في فقدان دفئها، ليس لأن المدير تغير، بل لأن الرصيد المهني استُنزف.

الأمان النفسي لا يعني غياب الحدود

من المفاهيم الحديثة التي انتشرت في السنوات الأخيرة مفهوم الأمان النفسي (Psychological Safety)، وهو شعور الموظف بأنه يستطيع التعبير عن أفكاره أو الاعتراف بأخطائه دون خوف من الإهانة أو العقاب.

لكن بعض الموظفين يخلطون بين الأمان النفسي وبين غياب الحدود المهنية.

فالمدير الذي يستمع إليك، أو يتفهم ظروفك، أو يسمح بالنقاش، لا يعني أنه يقبل الاستهتار أو ضعف الالتزام.

الأمان النفسي يزدهر عندما يقترن بالمسؤولية، لا عندما يتحول إلى مبرر للتراخي.

كيف تحافظ على مديرك الداعم؟

إذا كنت محظوظًا بمدير يمنحك الثقة، فحافظ على هذه العلاقة كما تحافظ على أهم أصولك المهنية.

* اعتبر الثقة تكليفًا قبل أن تكون امتيازًا.
* لا تجعل الاستثناءات أسلوبًا دائمًا في التعامل.
* احرص على أن يكون أداؤك هو أفضل وسيلة لرد الجميل.
* بادر بالحلول قبل عرض المشكلات.
* كن واضحًا في توقعاتك، ولا تعتمد على الافتراضات.
* قدّر الظروف الإنسانية التي يقدمها مديرك، ولا تجعلها أمرًا مفروغًا منه.
* تذكر أن السمعة المهنية تُبنى ببطء، لكنها قد تتآكل سريعًا.

كلمة أخيرة

المدير الداعم نعمة لأي موظف، لكنه أيضًا إنسان له طاقة وحدود وتوقعات.

والموظف الناجح ليس من يعرف كيف يحصل على أكبر قدر من المزايا، بل من يعرف كيف يحافظ على الثقة التي مُنحت له.

قد تكسب استثناءً مرة، لكنك تكسب مستقبلًا مهنيًا كاملًا عندما تحافظ على رصيدك المهني.

لذلك، إذا كان مديرك يمنحك الثقة، فقابلها بالالتزام.

وإذا منحك المرونة، فقابلها بالمسؤولية.

وإذا منحك دعمه، فلا تجعل هذا الدعم موردًا يُستنزف، بل علاقة تُصان.

لأن المدير الداعم ليس حقًا مكتسبًا… بل شريك نجاح يستحق التقدير.

فإن كان مديرك عسل… فلا تخلصه كله.

المراجع (APA 7th Edition)

Adams, J. S. (1965). Inequity in social exchange. In L. Berkowitz (Ed.), Advances in Experimental Social Psychology (Vol. 2, pp. 267–299). Academic Press.

Blau, P. M. (1964). Exchange and Power in Social Life. New York: John Wiley & Sons.

Graen, G. B., & Uhl-Bien, M. (1995). Relationship-based approach to leadership: Development of Leader–Member Exchange (LMX) theory of leadership over 25 years. The Leadership Quarterly, 6(2), 219–247.

Edmondson, A. C. (2019). The Fearless Organization: Creating Psychological Safety in the Workplace for Learning, Innovation, and Growth. Wiley.

Robbins, S. P., & Judge, T. A. (2023). Organizational Behavior (19th ed.). Pearson.