بقلم:عبدالمحسن محمد الحارثي - النهار
إذا كان المال عصب البناء والتقدّم ؛ فإن الماء عصب الحياة، وشرطها الأول، وسرّها الذي لا يموت.
وفي وطنٍ جعل الإنسان محور التنمية، وجعل جودة الحياة غايةً من غايات البناء ، لا ينبغي أن يُنظر إلى الماء بوصفه خدمةً عابرة؛ فالماء هو الحياة حين يصل إلى الإنسان، وهو التنمية حين يصل إلى الأرض، وهو المستقبل حين يصبح جزءاً من التخطيط.
وفي محافظة ميسان ؛ تتجاوز الحاجة إلى الماء حدود العطش؛ فأهلها بحاجة إليه في حياتهم، وأرضها بحاجة إليه في زراعتها، ومستقبلها التنموي بحاجة إلى موردٍ مائي مستدام.
فالماء لا يروي الإنسان وحده؛ بل يروي معه الزراعة، ويعزز الاستقرار، ويفتح أبواب الاستثمار والسياحة، ويمنح التنمية فرصتها في النمو.
وتتضاعف أهمية القضية أمام جغرافيةٍ تتوزع فيها القرى على مساحات واتجاهات متعددة؛ فقرى بني الحارث وثقيف وبني مالك وبني سعد ؛ تقع ضمن نطاقٍ جغرافي واسع ، وهذه الجغرافية لا تحتاج إلى حلولٍ متفرقة بقدر ما تحتاج إلى رؤيةٍ مائية تنظر إلى المحافظة باعتبارها منظومةً واحدة.
ومع أهمية " شِيب " غزايل ؛ فإن بُعد مصادر المياه عن أجزاء من المحافظة يفرض سؤالاً جديراً بالدراسة: هل ينبغي أن تظل القرى بعيدةً عن مصدر حياتها، أم آن الأوان للتفكير في تقريب الماء من جغرافية ميسان؟
من هنا ؛ تبرز فكرة إنشاء منظومة مائية استراتيجية، تقوم على مصدرٍ مناسب، وشيبٍ رئيس، وخزاناتٍ استراتيجية، وشبكة توزيع تمتد إلى القرى والمراكز السكانية.
منظومةٌ لا تكتفي بإيصال الماء، بل تُبنى وفق جغرافية المحافظة وتوزيع سكانها وقراها؛ فتتفرع لخدمة بني الحارث وثقيف وبني مالك وبني سعد ؛ ماءٌ في قلب المحافظة، وشبكةٌ تمتد إلى أطرافها.
وتقدم منطقة الباحة تجربةً جديرة بالدراسة والاستلهام؛ فقد فرض تباعد القرى وطبيعة الجغرافيا تطوير حلولٍ تعتمد على الشبكات والخزانات ومحطات الضخ لإيصال المياه إلى التجمعات السكانية.
وليس المطلوب استنساخ التجربة؛ فلكل منطقة طبيعتها، ولكل جغرافيا حلولها، لكن التجارب الناجحة تمنحنا القدرة على تحويل التحدي إلى فرصة.
وميسان قادرة على أن تصنع نموذجها الخاص؛ نموذجاً ينظر إلى المحافظة باعتبارها جسداً واحداً يحتاج إلى شريانٍ مائي يصل إلى أجزائه المختلفة.
فالماء الذي يصل إلى المنزل يروي الإنسان، والماء الذي يصل إلى الأرض يروي الزراعة، والماء الذي يستقر في قلب المحافظة يروي التنمية.
ومن هنا ؛ فإن السؤال ليس: كيف ننقل الماء إلى ميسان؟ بل: كيف نجعل الماء جزءاً من مستقبل ميسان؟
إن المحافظة لا تحتاج إلى معالجة العطش فحسب؛ بل إلى رؤيةٍ مائية تستشرف نموها، وتضع الإنسان والأرض والزراعة والاستثمار والسياحة في مسارٍ واحد.
فحين يقترب الماء ؛ تقترب جودة الحياة، وحين تنتظم المياه في شبكةٍ استراتيجية ؛ تتسع فرص التنمية، وحين ترتوي الأرض ؛ لا يرتوي التراب وحده؛ بل يرتوي معه الإنسان والمكان والمستقبل.
فميسان لا تطلب الماء ترفاً تنموياً؛ بل لأن الحياة لا تُبنى على أرضٍ عطشى.
وربما آن الأوان لأن تبدأ دراسة مشروعٍ مائي استراتيجي، يكون فيه الماء قريباً من قلب المحافظة، وتمتد شبكته إلى قراها وأطرافها؛ مشروعٍ ينظر إلى الماء باعتباره ثروةً وطنية، وإلى الإنسان باعتباره غاية التنمية، وإلى الأرض باعتبارها شريكاً في صناعة المستقبل.
وميسان لا تحتاج إلى ماءٍ يصل إليها فحسب؛ بل تحتاج إلى ماءٍ ينهض بها.
ميسان.. أهلُها وأرضُها بحاجة إلى أنْ ترتوي.