الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يوليو-٢٠٢٦       3685

بقلم:عبدالمحسن محمد الحارثي - النهار 

 

ليس كل من عاد من الحرب قد عاد منها.

 

فبعض الرجال تتركهم المعركة خلفها، أما محمد بن مفرِّح المالكي - أبو جاسم- فقد ترك في المعركة شيئاً منه، وحمل منها شيئاً لن يغادره أبداً.

 

ثلاث إصابات كانت بينه وبين الموت.

 

في الأولى ؛ اشتعل جسده بالحروق وبعض الإصابات الطفيفة ، فتعالج وعاد إلى ميدان الوغى .

 

وفي الثانية ؛ كان الجرح أعمق، والخطر أشد، لكنه تعالج وعاد مرة أخرى إلى ساحة الشرف والبطولة.

 

أما الثالثة ؛ فقد كانت الإصابة التي حالت دون عودته إلى ميدان العزَّة والكرامة ؛ فُقْداناً للسمع استدعى زراعة قوقعة، وارتجاجاً في المخ، وشظايا أصابت الأعصاب، فأحدثت شللاً في الجهة اليمنى، وضعفاً في النظر، وتنميلاً في الأطراف.

 

كان يمكن أن تكون تلك نهاية الحكاية.

 

لكنها كانت بداية فصلٍ آخر.

 

فحين أُغلق أمام محمد المالكي طريق العودة إلى الجبهة ؛ لم يُغلق أمامه طريق العطاء. 

عاد بعد العلاج والعمليات الجراحية الكثيرة والعلاج الطبيعي إلى الحياة، لا كمن يبحث عن الراحة، بل كمن يبحث عن ميدانٍ جديد للخدمة.

 

عاد إلى الأرض؛ فزرع البن في محافظة ميسان، ونجح في زراعة نبات الشيا، ووزّع آلاف الشتلات.

 

وعاد إلى الإنسان؛ فشارك في مبادرات التعليم والإنقاذ، وأصبح مشرفاً في جمعية ساعد للبحث والإنقاذ.

 

ثُمَّ عاد إلى الطبيعة؛ فحصل على رخصة مرشد سياحي، ورخصة مرشد هايكنق، وأصبح مدرباً معتمداً في حماية البيئة ضمن مبادرة «لا تترك أثراً»، وحصل على دورة مدرب مدربين، ولأنه درس في الجامعة ثلاث سنوات تخصص إعلام وعلاقات عامّه إلا أنّ شرف الانضمام إلى الحد الجنوبي حال دون استكمال شهادته الجامعية ، كما وحصل على ترخيص إعلامي.

 

إنه الرجل الذي غيّر سلاحه، ولم يغيّر رسالته.

 

كان قنَّاصاً في ميدان الحرب ، يقنص ، و ينقذ ، ، يحمل لقب «نمر ٩»، ثم «نمر بثرة» نسبةً إلى الجبل المشهور في بني مالك بجيلة. 

 

وحين انتهت مهمته في الجبهة ؛ لم تنتهِ مهمته في الحياة.

 

هناك كان يصوّب بندقيته نحو الخطر؛ وهنا يصوّب إرادته نحو الأمل.

 

هناك كان يحمي الحدود؛ وهنا يحمي الأرض والإنسان والبيئة.

 

هناك كان يواجه الموت؛ وهنا يزرع الحياة.

 

ومن هنا وُلد لقبه الجديد:

 

[نَمِرُ الحياة]

 

فهو النمر الذي لم تُسقطه الجراح، ولم تُطفئه الإصابة، ولم تدفعه آلام الجسد إلى الانكفاء. كان «نمر ٩» في ميدان الحرب، و «نمر بثرة» فوق الجبل، ثم أصبح «نمر الحياة» في ميدان العطاء.

 

حصل على وسام الشرف، ونوط المعركة، ووسام الشجاعة، ونوط الإنقاذ؛ أوسمة رسمية تروي جانباً من بطولته، لكن في جسده أوسمة أخرى لا تُعلّق على صدر، ولا تُمنح في احتفال: ندوبٌ، وشظايا، وعمليات، وسمعٌ عاد إليه بزراعة قوقعة، وإرادةٌ لم تفقد صوتها قط.

 

لقّبه أحد الإعلاميين بـ «الشهيد الحي».

 

لكن محمد المالكي أكبر من لقب.

 

إنه قنّاصٌ هزم الرصاص.

 

ونمرٌ لم ينكسر.

 

وجنديٌّ غيّر ميدانه ولم يغيّر رسالته.

 

ولعل بيت سمو الأمير خالد الفيصل يلخص فلسفة هذا الرجل:

 

لو ما بقى بالعمر إلا ضحى شمس

خدمت به ديني وداري وهلها

 

هكذا هو محمد المالكي.

 

إذا بقي من العمر ضحى شمس ؛ خدم به دينه ووطنه وأهله.

 

وإذا بقي من الجسد ما أنهكته الجراح ؛ جعل منه جسراً للحياة.

 

وإذا مُنع من العودة إلى ميدان الشرف ؛ صنع لنفسه ميادين جديدة للشرف.

 

فبعض الرجال لا تنتهي بطولاتهم بانتهاء المعركة؛ إنما تتبدّل ساحاتها.

 

كان بالأمس «نمر ٩» و«نمر بثرة».

 

واليوم هو «نَمِرُ الحياة».

 

رجلٌ اقترب منه الرصاص ثلاث مرات ؛ فعاد من الموت مرتين، وحين حالت الإصابة الثالثة دون عودته إلى الجبهة ؛ عاد إلى الأرض والإنسانية.

 

ثلاث إصابات في الجسد، ولا إصابة واحدة في الروح.

 

ذلك هو محمد المالكي:

 

بطلٌ لم يستطع الرصاص أن يهزمه، ولم تستطع الجراح أن توقفه، ولم يستطع خروجُه من ميدان الحرب أن يخرجه من ميدان البطولة.