بقلم-ثامر الشهراني
في مواسم الحج، تتجه أنظار العالم الإسلامي نحو المملكة العربية السعودية بوصفها الدولة التي تدير أكبر تجمع بشري سنوي على وجه الأرض بكفاءة تنظيمية وخدمية استثنائية. لكن خلف مشاهد الحشود والانسيابية والخدمات اللوجستية، هناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في صناعة الوعي؛ لأن نجاح أي منظومة خدمية لا يعتمد على البنية التحتية وحدها، بل على سلوك الإنسان الذي يستخدمها ويتفاعل معها.
ومن هذا المنطلق، تبدو المبادرات التي أطلقها المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه «مائي» خلال موسم حج 1447هـ أكثر من مجرد حملات توعوية موسمية، بل مشروعًا ثقافيًا وسلوكيًا يستهدف بناء علاقة أكثر وعيًا مع الماء، خصوصًا في موسم يرتفع فيه الاستهلاك إلى مستويات ضخمة نتيجة الكثافة البشرية الهائلة وتعدد الاحتياجات اليومية لضيوف الرحمن.
الحج بطبيعته ليس بيئة سهلة للتأثير التوعوي؛ فالملايين يأتون من ثقافات ولغات وخلفيات مختلفة، ولكل مجتمع عاداته في استخدام المياه واستهلاكها. ولهذا، فإن مجرد التفكير في إيصال رسالة موحدة وفعّالة إلى هذا التنوع الإنساني الهائل يُعد تحديًا بحد ذاته. لكن ما قام به «مائي» يعكس فهمًا عميقًا لهذه المعادلة، حين تحركت الرسائل التوعوية بـ11 لغة عالمية، لتؤكد أن التوعية الحقيقية تبدأ من مخاطبة الإنسان بلغته وثقافته وطريقته في الفهم.
ولعل أهم ما يميز هذه المبادرات أنها لم تُقدَّم بصيغة مباشرة وجافة، بل جاءت ضمن أدوات متنوعة تجمع بين الرسائل البصرية والمحتوى الرقمي والعمل الميداني. فاللوحات الإرشادية المنتشرة داخل مجمعات دورات المياه والمواضئ في المشاعر المقدسة وساحات المسجد الحرام التي تجاوز عددها 3000 لوحة إرشادية ليست مجرد لافتات عابرة، بل رسائل يومية متكررة تعيد تشكيل السلوك بشكل تدريجي وهادئ. فالإنسان غالبًا لا يتغير بالأوامر، بل بالتذكير المستمر الذي يجعله أكثر انتباهًا لتفاصيل ممارساته اليومية.
كما أن إشراك الفرق التطوعية في نشر الحقائب الرقمية التوعوية يحمل بُعدًا مهمًا في صناعة التأثير؛ لأن الرسائل التي تصل عبر التفاعل الإنساني المباشر تكون أكثر حضورًا وقربًا من المتلقي. والمتطوع هنا لا يؤدي دورًا تنظيميًا فقط، بل يتحول إلى سفير لقيمة الاستدامة والمحافظة على الموارد، خصوصًا حين يرتبط الخطاب بلغة إنسانية ودينية يفهمها الحاج ويتفاعل معها وجدانيًا.
وفي الحقيقة، فإن المملكة خلال السنوات الأخيرة لم تتعامل مع ملف ترشيد المياه باعتباره قضية استهلاك مؤقتة، بل باعتباره قضية وعي مجتمعي طويل الأمد. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في الحملات التوعوية التي رسخت حضورها في الذاكرة العامة، ومن أبرزها حملة “الله لا يبين غلاه”، التي نجحت في تحويل الماء من مورد اعتيادي إلى قيمة يشعر الإنسان بأهميتها العاطفية والاقتصادية والإنسانية.
هذه العبارة البسيطة في كلماتها، العميقة في معناها، استطاعت أن تُحدث أثرًا واسعًا؛ لأنها خاطبت الوعي الشعبي بلغة قريبة من الناس، بعيدًا عن التعقيد أو الخطاب الرسمي التقليدي. فحين يُقال للإنسان: “الله لا يبين غلاه”، فإن الرسالة لا تتحدث فقط عن فاتورة أو استهلاك، بل عن نعمة قد لا يشعر بقيمتها الحقيقية إلا عند فقدها. وهذا النوع من الرسائل هو ما يصنع الفارق الحقيقي في حملات التوعية؛ لأنه يبني القناعة قبل أن يطلب السلوك.
ومن هنا يمكن فهم الامتداد الطبيعي لحملة “بالماء نحيا وبحفظه نؤجر”، التي أطلقها «مائي» خلال الحج، إذ جاءت امتدادًا لفلسفة توعوية سعودية باتت تدرك أن الاستدامة لا تُفرض بالأنظمة فقط، بل تُبنى عبر الوعي والثقافة والشعور بالمسؤولية الفردية تجاه الموارد.
كما أن استهداف قطاع الضيافة في مكة المكرمة والمدينة المنورة يُظهر وعيًا متقدمًا بأهمية الوصول إلى النقاط الأكثر تأثيرًا في سلوك الحجاج اليومي. فالفنادق والمنشآت السكنية ليست مجرد مرافق خدمية، بل بيئات قادرة على تشكيل العادات اليومية لملايين الزوار. وعندما تُوزع الحقائب التوعوية على أكثر من 17.5 ألف وحدة فندقية، فإن الرسالة هنا لا تستهدف الحاج وحده، بل المنظومة التشغيلية كاملة، من العامل إلى المشرف إلى النزيل.
وفي ظل التحولات الكبرى التي تقودها المملكة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، أصبح مفهوم التوعية أكثر ارتباطًا بجودة الحياة والاستدامة وإدارة الموارد بكفاءة. ولذلك، فإن نجاح حملات المياه لا يُقاس بعدد اللوحات أو المنشورات، بل بقدرتها على تحويل السلوك العابر إلى ثقافة مستقرة، يشعر معها الإنسان بأن المحافظة على الماء ليست مجرد التزام نظامي، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية ودينية.
وفي موسم روحاني بحجم الحج، تبدو هذه الرسائل أكثر تأثيرًا؛ لأن الحاج يكون في حالة وجدانية وروحية تجعله أكثر استعدادًا للتفاعل مع القيم المرتبطة بالمسؤولية والاعتدال وعدم الهدر. ولهذا، فإن الاستثمار في التوعية خلال الحج ليس استثمارًا لحظيًا مرتبطًا بأيام الموسم فقط، بل رسالة عالمية تعود مع الحاج إلى بلده، ليحمل معه تجربة تنظيمية وإنسانية وثقافية تعكس صورة المملكة الحديثة، لا تدير الحشود فقط، بل تبني الوعي أيضًا.