الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ يوليو-٢٠٢٦       3575

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي

لا يشيخ الإنسان من كثرة السنين، وإنما من كثرة المعارك التي لم يكن مضطرًا إلى خوضها.

فالزمن لا يسرق أعمارنا كما تسرقها الخصومات، ولا تستنزفنا الأيام كما تستنزفنا التفاصيل الصغيرة التي نُصرّ على أن نجعل منها قضايا كبرى.

وكثيرٌ من الناس لم يهزمهم خصومهم، وإنما هزمتهم معاركٌ كان يكفيهم شرفًا أن يترفعوا عنها.

لقد أقنعتنا الحياة أن  القوة  في سرعة الرد، وأن الهيبة في الكلمة الأخيرة، وأن الكرامة لا تُصان إلا إذا خرجنا من كل مواجهةٍ غالبين.
وهكذا تحولت الحياة عند بعض الناس من رسالةٍ تُبنى، إلى خصومةٍ لا تنتهي ؛
وتلك أول الهزائم.

إن الحياة ليست ساحةً لإثبات أنك أقوى من الآخرين، بل ميدانٌ لتثبت أنك أقوى من نفسك.
فكلما عجز الإنسان عن الانتصار على غضبه ؛ حاول أن ينتصر على الناس. وكلما ضاقت رسالته ؛ اتسعت خصوماته.

والحقيقة التي لا يدركها إلا الناضجون ؛ أن العمر ليس عدد السنوات التي نعيشها، بل عدد الأيام التي أحسنّا استثمارها.
فمن أنفق أيامه في الجدل ؛ عاد آخر الطريق فقيرًا، ولو امتلأت يده بانتصاراتٍ عابرة.

إن العمر ميزانية، لا مخزن ، وكل معركةٍ تدخلها ؛ تسدد ثمنها من رصيد أيامك، لا من رصيد خصمك.
فقد تخسر ساعةً كان يمكن أن تصنع فيها فكرة، أو تهدي ولدًا كلمة، أو تبرَّ والدًا، أو تقرأ كتابًا، أو تغرس أثرًا يبقى بعد رحيلك.

ولهذا ؛ لا يسأل الحكماء: كيف ننتصر؟
بل يسألون أولًا: هل تستحق هذه المعركة أن نقتطع لها جزءًا من أعمارنا؟
ذلك أن الناس يحسبون خسائرهم بما فقدوه من كلمات، أما العقلاء فيحسبونها بما فقدوه من أعمار.

وأخطر أعدائك ليس من أساء إليك ؛ وإنما من نجح في أن يجعل من نفسه محورًا لتفكيرك، حتى أصبح حاضرًا في يومك أكثر من أحلامك، وأقرب إلى ذهنك من رسالتك.
فمن شغلك عن غايتك ؛ فقد غلبك.

ولهذا ؛ كان التغافل من أشرف الأخلاق، لا لأنه تجاهلٌ للحقيقة، بل لأنه احترامٌ للعمر.
التغافل ليس غفلةً، بل بصيرة.
وليس عجزًا عن الرد، بل قدرةٌ على تقدير قيمة الرد.
وليس ضعفًا، بل سيادةٌ على النفس؛ لأن القوي ليس من يملك لسانًا حاضرًا، وإنما من يملك نفسًا حاضرة.

وفي الحروب الباردة ؛ لا ينتصر من يطلق الرصاصة الأولى، وإنما من يحسن إدارة أعصابه، ويختار زمان المواجهة ومكانها. وكذلك الحياة؛ ليست بطولة الإنسان أن يجيب عن كل كلمة، وإنما أن يعرف أي الكلمات لا تستحق أن تُجاب.

وقد رسم القرآن هذا المعنى في أبلغ صورة، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. فلم يجعل الفضيلة في غلبة الجاهل، وإنما في غلبة النفس عند لقاء الجاهل.

وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾؛ لأن الإعراض هنا ليس هروبًا من الموقف، بل ارتفاعٌ فوقه.

وقال رسول الله ﷺ: "أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا".فكأن أعظم الانتصارات ، تلك التي لا يراها الناس ؛ لأنها تقع في داخل الإنسان.

لقد أدرك الحكماء منذ زمن بعيد أن السفه لا يعيش إلا إذا وجد من يغذيه، وأن النار لا تكبر إلا إذا وجدت من ينفخ فيها، وأن الخصومة تموت حين لا تجد من يحملها.

ولذلك ؛ فإن بعض الانتصارات تبدأ بالانصراف.
وليس كل صمتٍ عجزًا، كما ليس كل كلامٍ شجاعة.

إن الأشجار المثمرة لا تتوقف لترد على كل حجر، والنسور لا تدخل سباقًا مع الذباب، والبحر لا يضطرب لأن طفلًا ألقى فيه حصاة.
وكذلك النفوس الكبيرة…
كلما عظمت رسالتها، صغرت في عينيها المعارك الصغيرة.

إن التاريخ لا يحفظ أسماء الذين ربحوا كل جدال، وإنما يحفظ أسماء الذين انصرفوا إلى البناء حين انشغل غيرهم بالخصومة، وإلى الإصلاح حين انشغل غيرهم بالانتقام، وإلى صناعة الأثر حين استهلك غيرهم أعمارهم في إثبات الذات.

وسيأتي يومٌ يطوي الإنسان فيه صحيفة عمره، فلا يسأل نفسه: كم مرةً كنت على حق؟ ولا: كم خصمًا غلبت؟ وإنما يسأل سؤالًا واحدًا:
هل كانت رسالتي أكبر من معاركي؟
فإن كانت رسالته أكبر من خصوماته ؛ فقد ربح الحياة، وإن خسر بعض المواقف.
وإن كانت خصوماته أكبر من رسالته ؛ فقد خسر الحياة، وإن ربح كل المواقف.

لهذا… ليست كلُّ معركةٍ تستحقُّ أن تُخاض.
فالعظماء لا يخلدون لأنهم انتصروا في كل مواجهة، بل لأنهم امتلكوا الحكمة التي جعلتهم يميّزون بين معركةٍ تُكتب في سجل المجد، ومعركةٍ لا تستحق أن يُكتب فيها سطرٌ واحد، أو يُهدر من أجلها يومٌ واحد من العمر.