الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يوليو-٢٠٢٦       3520

بقلم ـ علي المالكي

تُقاس قوة المجتمعات اليوم بما تمتلكه من تماسكٍ اجتماعي وما يسود بين أفرادها من أواصر المحبة والتواصل والتعاون. 
فالمجتمع الذي يحرص أفراده على السؤال عن بعضهم وصلة الأرحام وزيارة الأقارب والمشاركة في الأفراح والأتراح هو مجتمع يبني الإنسان قبل البنيان ويغرس في نفوس الأجيال قيماً لا يمكن لأي مدرسة أو جامعة أن تمنحها بمفردها.
لقد كان آباؤنا وأجدادنا يؤمنون بأن المجالس والزيارات واللقاءات اليومية ليست مجرد عادات اجتماعية بل مدارسٌ تُعلّم الاحترام وتغرس الشهامة وتصنع الرجال. 
فمن خلال هذه اللقاءات يتعلم الصغير كيف يوقر الكبير ويتعرف على أقاربه وجيرانه ويشعر بأنه جزء من مجتمعٍ يحتضنه ويقف إلى جانبه في مختلف الظروف.
غير أن الثورة التقنية على الرغم مما قدمته من فوائد عظيمة فرضت واقعًا جديدًا يستوجب الوقوف عنده. 
فقد أصبحت الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي تستحوذ على جزءٍ كبير من أوقات الشباب حتى بات بعضهم يعيش ساعات طويلة أمام الشاشة بينما تتراجع جلساته الأسرية وتقل مشاركاته الاجتماعية ويضعف حضوره في المناسبات العائلية والمجتمعية.
ولا يعني ذلك أن التقنية عدو يجب محاربته فهي من أعظم منجزات العصر إذا أُحسن استخدامها لكنها تتحول إلى مشكلة حقيقية عندما تتحول من وسيلة تخدم الإنسان إلى أمر يسيطر على وقته وعلاقاته. 
فالإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية وضعف مهارات الحوار وقلة التواصل الأسري وتراجع روح المبادرة كما قد ينعكس على الصحة النفسية والجسدية بسبب السهر الطويل وقلة الحركة والانشغال المستمر بالعالم الافتراضي.
إن أخطر ما يسببه إدمان الجوالات والألعاب الإلكترونية ليس ضياع الوقت فحسب بل بناء جيل يعرف آلاف الأشخاص عبر الشاشة بينما يجهل جاره وقريبه ويعيش في عالم رقمي يفتقد دفء العلاقات الإنسانية الحقيقية. 
فالشاب الذي يعتاد الحوار مع الأجهزة أكثر من الحوار مع أسرته يفقد مع مرور الوقت كثيرًا من مهارات التواصل وقد يجد صعوبة في بناء علاقات اجتماعية متينة تقوم على الثقة والاحترام والتعاون.
ومن هنا تتعاظم مسؤولية الأسرة فهي الحصن الأول في ترسيخ ثقافة التواصل. 
كما أن المدرسة والمسجد والأندية والجمعيات ووسائل الإعلام جميعها شركاء في صناعة جيل متوازن يجمع بين الاستفادة من التقنية والمحافظة على القيم الاجتماعية الأصيلة. 
وليس المطلوب حرمان الشباب من الهواتف أو الألعاب وإنما تعليمهم الاعتدال وتنظيم الوقت وتشجيعهم على ممارسة الرياضة والمشاركة في الأعمال التطوعية وحضور المجالس العائلية والاندماج في الأنشطة الثقافية والاجتماعية.
إن الشباب هم ثروة الوطن الحقيقية واستثمارهم لا يكون بتوفير أحدث الأجهزة لهم فقط بل ببناء شخصياتهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وربطهم بأسرهم ومجتمعهم ووطنهم. 
فكل ساعة يقضيها الشاب في مجلسٍ عائلي أو في زيارة قريب أو في عمل تطوعي أو في حوار هادف هي لبنة تُضاف إلى بناء شخصيته وتزيد من وعيه وتمنحه خبرات لا توفرها الشاشات مهما بلغت تقنياتها.
وفي وطننا الغالي المملكة العربية السعودية تولي القيادة الرشيدة اهتمامًا كبيرًا ببناء الإنسان وتعزيز جودة الحياة وتوفير البيئات التي تشجع على التواصل والمشاركة المجتمعية. 
وهذه الجهود المباركة تحتاج إلى وعي مجتمعي يجعل من التقنية وسيلة للبناء لا سببًا للعزلة ومن وسائل التواصل بابًا للتقارب لا بديلاً عن اللقاء الحقيقي.
فلنحرص جميعًا على إعادة الدفء إلى مجالسنا وإحياء صلة الأرحام وتشجيع أبنائنا على التواصل المباشر لأن المجتمعات القوية لا تُبنى بالشاشات وحدها بل تُبنى بالقلوب المتآلفة والأيدي المتعاونة والعلاقات الإنسانية الصادقة التي تبقى أعظم استثمار في صناعة مستقبل الأجيال.