النهار

٢٤ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ مايو-٢٠٢٦       3960

بقلم- جمعان الكرت

يُعدّ التراث نافذة واسعة يطلّ من خلالها الزائر على صفحات الماضي، ووثيقة حيّة تبقى شاهدة على تعاقب الأزمنة، وكتابًا مفتوحًا نقرأ بين سطوره تفاصيل الحياة القديمة وما شهدته من أحداث وتحولات. فالتراث ليس مجرد مبان حجرية أو مقتنيات جامدة، بل هو ذاكرة المكان، وروح الإنسان، وصوت التاريخ الذي لا يزال يهمس بحكايات الأجداد.
وفي قرية الملد التاريخية يقف الحصنان الشامخان شاهدين على زمن كانت فيه الحروب والصراعات القبلية جزءًا من طبيعة الحياة، سواء للدفاع عن الأرض والعِرض أو لدرء الأطماع الخارجية. ولم تكن بلاد غامد وزهران بمنأى عن تلك التحديات؛ إذ شكّلت في القرون الماضية موضع اهتمام وأطماع لعدة قوى، من بينها إمارة آل عائض من الجنوب، والدولة العثمانية وما يتبعها من نفوذ عبر أمراء الأشراف من الشمال.
ويعود ذلك إلى الموقع الجغرافي المتميّز لمنطقة الباحة، التي شكّلت حلقة وصل استراتيجية بين الحجاز شمالًا وعسير جنوبًا، فضلًا عن وفرة خيراتها الزراعية وما تنتجه أرضها الخصبة من الحبوب واللُّباب والزبيب وغيرها من المحاصيل التي أسهمت في تعزيز أهميتها الاقتصادية. لذا لم يكن مستغربًا أن تستوقف مزايا هذه البلاد كثيرًا من المؤرخين والرحالة، ومن بينهم الرحالة الشهير ابن بطوطة، الذي أشار إلى أن ميرة مكة المكرمة كانت تأتي من بلاد غامد وزهران، في دلالة واضحة على مكانتها الاقتصادية والزراعية في ذلك الزمن.
ونعود إلى قرية الملد التاريخية، التي حظيت بميزة فريدة تتمثل في وجود الحصنين المتجاورين، النايفين والشامخين، والمطلّين على امتداد جغرافي واسع من مختلف الجهات. وكان الحصنان، وما يزالان، رمزًا تراثيًا وتاريخيًا لمنطقة الباحة؛ فما إن تظهر صورتهما في شاشة تلفاز أو صحيفة أو مادة إعلامية حتى يدرك المشاهد أنه أمام مشهدٍ من منطقة الباحة، تلك المنطقة التي جمعت بين أصالة التراث وسحر الطبيعة، بما تحتضنه من جبال وأودية وغابات ومزارع، إلى جانب مناخها العليل الذي جعلها واحدة من أبرز المصايف في وطننا الغالي.
ومن الجوانب المضيئة التي تستحق الإشادة، الجهود التي بذلها الشاب محمد بن مسفر الغامدي، الذي أعاد النبض إلى هذا الموقع التراثي، مدفوعًا بشغف أصيل تجاه الموروث الشعبي؛ إذ أنشأ متحفًا تراثيًا يضم عددًا من المقتنيات والأدوات القديمة التي تعكس أنماط الحياة في الماضي، إلى جانب اهتمامه بالموقع المحيط من حيث التهيئة والرصف والإضاءة، بدعم ومساندة من أمانة منطقة الباحة، في خطوة أسهمت في تعزيز جاذبية المكان سياحيًا وتراثيًا.
وقد تشرفت قبل أيام  بصحبة الصديق الشريف عبدالعزيز بن أبلج  بزيارة الحصنين والمتحف، والالتقاء بالإنسان الذي يقف خلف هذا الجهد اللافت، فوجدت نموذجًا يستحق التقدير والدعم؛ إذ يسخّر وقته وجهده وماله بدافع حبٍّ صادق للتراث، ولم يقتصر اهتمامه على المتحف فحسب، بل امتد إلى مشاركاته المتميزة في الفنون الشعبية، كالعرضة والمسحباني وغيرها من الفنون التي تعبّر عن الهوية الثقافية للمنطقة.
إن رجلًا يحمل هذا الشغف التراثي، مثل محمد بن مسفر، جدير بالتكريم والمؤازرة، ليستمر في تحقيق أحلامه وطموحاته التي لا تخدم قرية الملد التراثية وحدها، بل تسهم في إبراز منطقة الباحة سياحيًا وتراثيًا، وتُعيد للأجيال الجديدة صلتها بجذور المكان وذاكرته العريقة.