النهار

١٩ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ مايو-٢٠٢٦       2915

بقلم- مها ياسر

“المنصب قد يجبر الناس على احترامك ظاهريًا… لكن أخلاقك وشخصيتك هما ما يجعلان احترامك يبقى، حتى بعد زوال كل شيء.”

في عالم الإدارة، ليست العظمة الحقيقية في الوصول إلى القمة فقط… بل في الطريقة التي يرحل بها القائد، وما الذي يتركه خلفه:
هل يترك خوفًا؟ أم احترامًا؟
فراغًا؟ أم إرثًا مستمرًا؟

فالسلطة قد تمنح النفوذ مؤقتًا، لكن القيم الإنسانية هي التي تمنح القائد مكانته الحقيقية حتى بعد غيابه.

القيادة ليست سلطة… بل أثر

يرى Peter Drucker أن:

“القيادة الحقيقية ليست في فرض السيطرة، بل في تحمّل المسؤولية وصناعة التأثير.”

كما يوضح Jim Collins أن أعظم القادة هم الذين يبنون مؤسسات تستمر بقوة حتى بعد رحيلهم، لأنهم يقودون بالقيم لا بالأنا.

ومن هنا نفهم أن القائد الحقيقي لا يجعل المؤسسة تدور حول شخصه… بل يجعلها قادرة على النجاح بدونه.

كيف تصنف الإدارة القادة؟

في علم الإدارة، تُعرف “مصفوفة الإنتاجية والعلاقات الإنسانية” أو ما يسمى بـ Managerial Grid بأنها من أشهر النماذج التي تفسّر أنماط القيادة داخل المؤسسات.

وتقوم فكرتها على محورين أساسيين:

* الاهتمام بالنتائج والإنتاجية
* الاهتمام بالعلاقات الإنسانية والعاملين

ومن خلالهما يظهر أربعة أنماط رئيسية من القادة:

1. قائد يهتم بالنتائج فقط

هذا النوع يركز على الأرقام والإنجازات دون مراعاة للعامل الإنساني.

قد يحقق نجاحًا سريعًا، لكنه غالبًا يخلق:

* بيئة عمل مرهقة
* خوفًا بدل الولاء
* علاقات متوترة داخل المؤسسة

ومع رحيله… يختفي تأثيره سريعًا، لأن الناس كانت تعمل تحت الضغط لا الاحترام.

2. قائد يهتم بالعلاقات على حساب العمل

وهو القائد الذي يسعى لإرضاء الجميع حتى لو تأثرت الجودة والإنتاجية.

ورغم محبة البعض له، إلا أن المؤسسة تعاني من:

* ضعف الحسم
* انخفاض الأداء
* غياب المعايير الواضحة

فالقيادة ليست عاطفة فقط، بل مسؤولية ونتائج أيضًا.

3. قائد لا يهتم بالعمل ولا بالعلاقات

وهو أخطر الأنواع، لأنه يفتقد الرؤية والاهتمام معًا.

فتتحول الإدارة معه إلى:

* فوضى
* ضعف دافعية
* تراجع في الأداء والثقة

وغالبًا لا يترك هذا النوع أي أثر يُذكر بعد رحيله.

4. القائد المتوازن — الأفضل إداريًا وإنسانيًا

وهو النموذج الأنجح والأكثر استدامة.

يهتم بالإنجاز… دون أن يهمل الإنسان.
ويحافظ على العلاقات… دون أن يضحي بالأهداف.

هذا النوع يصنع:

* بيئة عمل صحية
* ولاءً حقيقيًا
* إنتاجية مستقرة
* احترامًا يستمر حتى بعد مغادرته

لأن الناس لا تتذكر فقط “ماذا أنجز”، بل “كيف كان يتعامل معهم أثناء الإنجاز”.

نماذج خُلِّدت بالاحترام لا بالسلطة

من مصر، بقي اسم Mohamed El Araby حاضرًا بعد رحيله، ليس فقط بسبب نجاحه الاقتصادي، بل بسبب تواضعه واحترامه للعاملين وبنائه لثقافة قائمة على الإنسانية قبل الأرباح.

ومن آسيا، استطاع Jack Ma أن يثبت أن القيادة ليست احتكارًا للمنصب، بل قدرة على بناء رؤية تستمر حتى بعد ترك الإدارة التنفيذية.

أما في إفريقيا، فقد تحول Strive Masiyiwa إلى نموذج للقائد الذي تجاوز تأثيره حدود الأعمال إلى دعم التعليم وتمكين الشباب والتنمية المجتمعية.

ورغم اختلاف البيئات والثقافات، اجتمع هؤلاء على شيء واحد:
أن الاحترام الذي يبقى بعد الرحيل لا يُصنع بالخوف… بل بالاتزان بين النجاح والإنسانية.

كيف يترك القائد أثرًا محترمًا بعد رحيله؟

1. لا تجعل المنصب مصدر قيمتك الوحيد

القائد الحقيقي يبقى محترمًا حتى بدون لقب.

2. حقق النتائج دون أن تكسر الناس

فالإنجاز الحقيقي لا يجب أن يكون على حساب الكرامة الإنسانية.

3. ابنِ ثقافة لا تعتمد على شخص واحد

المؤسسة القوية تستمر بعد رحيل مؤسسها.

4. عامل الناس بإنسانية وقت القوة

لأن الذاكرة المهنية لا تنسى طريقة المعاملة.

5. كن متوازنًا

لا تكن مدير أرقام فقط… ولا مدير مجاملات فقط.

فالقيادة الناضجة هي القدرة على الجمع بين:

* الحزم والرحمة
* الإنجاز والاحتواء
* النتائج والعلاقات الإنسانية

الخلاصة

بعض الأشخاص يغادرون مناصبهم… فينتهي تأثيرهم فورًا.
وبعضهم يغادرون، لكن تبقى سيرتهم حيّة في القلوب والمؤسسات.

لأن المناصب تصنع نفوذًا مؤقتًا،
أما الأخلاق والاتزان الإنساني… فيصنعان احترامًا يتجاوز الزمن.