النهار

١٨ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ مايو-٢٠٢٦       2915

بقلم- د. إيمان حماد الحماد
 
 في مسيرة أرواحنا، وتقلبات أيامنا، نحن كالجمل في لغتنا العربية، نحمل من المعاني ما يثقل كاهلنا، ونخفي من الأسرار ما لا تدركه العقول.

فكما الكلام بناءٌ راسخ، قائمٌ على أركان لا تزول، كذلك حياتنا تقوم على ثوابت لا تتغير، ومبادئ لا تتبدل، هي أصل وجودنا، وعماد كياننا.
 
وما أحوالنا إلا صدى لأحرفٍ تتقلب، ومعانٍ تترتب، فنحن تارةً نُقدم ما نحب، ونؤخر ما نكره، كما يُقدم المفعول ويؤخر الفعل اقتضاءً للدلالة، أو مراعاةً للجمال.

وتارةً نعيش بين وصلٍ وفصل، فمنا من يبقى على العهد واصلاً، ومنا من يقطع الأسباب منفصلاً، وكل ذلك بحكم المعنى، ومقتضى الحال.
 
وفي حياتنا ذكرٌ وحذف، نذكر ما يليق بنا، ونحذف ما يخدعنا، فما أجمل الذكر حين يكون لضرورة المعنى، وما أحسن الحذف حين يدل على ما بقي، كأننا نحذف من أيامنا ما يثقل، ونبقي ما يدل على أصالتنا.

وأحوالنا كالإعراب: رفعٌ ونصبٌ، وخفضٌ وجرٌ، فترانا نعلو تارةً إلى القمم رفعةً وشرفاً، وننزل تارةً إلى الأرض نصباً وذلاً، ونخفض من قدرنا أحياناً، ونجرّ من أقدارنا ما يجرّنا إلى الوراء، وكل حركة فينا دالة على معناها، وموضحةً مغزاها.
 
وكما الألفاظ فيها صحة واعتلال، فقلوبنا سليمة تارةً، معتلة تارة أخرى، فمن الأسماء ما يصح بناؤه في كل حال، ومنها ما يعتلّ لسبب عارض، وكذلك نحن، قد نكون أصحاء النفوس، فإذا أصابتنا علة تغيرت أحوالنا، وتبدلت طباعنا.

والألفاظ بين خفة وفخامة، فمنها ما يرقّ فيدخل القلب بلا استئذان، ومنها ما يجلّ فيملأ السمع والعقل، وكذلك أرواحنا، فيها رقة العواطف، وفيها فخامة المواقف، نرقّ لمن نحب، ونفخم عند الشدائد والمصاعب.
 
ونحن كالكلمات ذات الاشتقاق، ننشأ من أصل واحد، وتتفرع منا المعاني والأحوال، فكل فرعٍ يدل على أصله، وكل معنىً يعود إلى مصدره، وكأننا نستخرج من تجاربنا تجارب، ومن أحوالنا أحوالاً، تحمل جميعها بصمة المنشأ، ورائحة الأصل.

ولنا كالألفاظ ظلال، فما نظهره غير ما نضمره، وما نبديه غير ما نخفيه، والظل تابعٌ لأصله، يدل عليه وإن خفي.
 
وفي مسيرتنا علل تغير من أحوالنا، كما العلل في الصرف والنحو، فربما كانت علة واحدة غيرت الموضع والحال، وربما اجتمعت علتان أو أكثر، فأخرجتنا عن أصلنا، وغيرت من مسارنا، فننتقل من حال إلى حال، ومن موضع إلى آخر، ونحن نحسب أنا باقون على أصلنا. وربما جاءت الأسباب قوية، فمُنعنا من الصرف، فلم نعد ننتقل من حالة لأخرى، ولا نغير موضعاً أو مكاناً، صرنا ثابتين لا نبرح، لسببٍ قاهرٍ، أو لصفةٍ غلبت علينا فأقامتنا، كما يُمنع الاسم من الصرف لعلة ، أو لعلتين ، وربما ثلاث علل في بعض أحيانه ، عَلمِيَة أو وصفية أو تلاعبا في أوزانه ..
 
وحياتنا قائمة على ثوابت وأركان، هي التي لا تقوم الحياة إلا بها، إن ذهبت ذهب البناء كله، كما الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر، هي الأساس الذي نرتكز عليه. وحول هذه الأركان تدور التوابع، نحن تابعون لمبادئنا، ولقيمنا، ولمن نحب، توابع تتبع ما قبلها في الإعراب والمعنى، لا تستقل بحال، ولا تنفرد بمكان.
 
وبين أجزاء حياتنا روابط تجمعنا، كما الحروف والروابط في الجمل، تصل بين القلوب، وتجمع بين الأرواح، فلا قوام للمعاني بلا روابط، ولا بقاء للمودة بلا أواصر. وفي طريقنا إضافات، تزين حياتنا وتكملها، كما الإضافة في الأسماء، تعطي المعنى وضوحاً، وتزيده شرفاً ووضوحاً، فما أجمل الحياة حين تكتمل بإضافة جميلة، وما أبهى الكلام حين يكتمل بمعنىً سامٍ.
 
هذه هي أحوالنا ، كأحوال لغتنا العظيمة، دقة في البناء، وجمالاً في الترتيب، ومعانٍ لا تنتهي، وإنما هي هكذا لأنها صدرت عن حكمةٍ بليغة، وسُبِكت بحكمةٍ أبلغ.
 
وفي خضم هذا التقلب، وتلك التغيرات والعلل، تبقى الثوابت والأركان هي العمدة التي إليها المرجع، وعليها المعول. فنحن في حياتنا كـالمبتدأ، أصل ثابت، جوهر لا يتغير، يبقى في موضعه راسخاً، لا تزحزحه العوامل، ولا تغيره الأحوال، لكنه أبداً يبحث عن خبر صادق، يكمّل معناه، ويعلي به ذكره، ويرسخ به شأنه في الوجود. وكذلك نحن، نبحث عمن يكمل معنا الحياة، وتتحقق به الغاية، فيعلو قدرنا، ويظهر أثرنا.
 
ونحن أيضاً كـالفعل، حركة وحياة، لا يكتمل معناه ولا يتم أمره إلا بـفاعلٍ صادق، يحمل عبئه، ويؤدي معناه، وينجز به فعله. فما قيمة الفعل إن لم يكن له فاعل يحييه؟ وما قيمة الحياة إن لم يكن فيها من يشاركنا مسعاها؟
 
واعلموا أن الأفعال التامة هي الأصل، وهي الحالة التي خُلقنا عليها، كمالاً في الذات، وتماماً في الصفات. وما يصيبنا من نقص أو خلل أو تغير، فهو عارض طارئ، يشبه ما يعتري الكلمات من علل تزول بزوال أسبابها، ويعود بعده الكلام فصيحاً تاماً كأصله. فلا تخدعنا الصور المتغيرة، ولا تلهينا الأحوال المتبدلة، فوراء كل ذلك جوهر ثابت، وأصل راسخ، هو الحق الذي لا يضيع، والقاعدة التي لا تتزحزح.