النهار
بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي
لم يكن ارتباط المسلمين بالتاريخ الهجري ارتباطًا زمنيًا مجرّدًا، بل كان ارتباطًا تعبديًا وحضاريًا وهوياتيًا؛ فالأشهر عند الأمة ليست أرقامًا تُتداول، وإنما مواسم تُعاش، وشعائر تُقام، وذاكرةٌ دينية تتحرك مع الهلال منذ أن قال الله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
ومن هنا ؛ جاء اهتمام الإسلام برؤية الهلال، ودخول الشهور، وارتباط بعض العبادات الكبرى بذلك ، كشهر رمضان، والعيدين، ويوم عرفة، وسائر المناسبات الإسلامية التي تقوم على التقويم القمري.
وقد وردت النصوص النبوية الصريحة في هذا الباب، ومن أشهرها قول النبي ﷺ:
«صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين».
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في عصر التقنية والمعرفة الدقيقة:
هل المقصود من الحديث هو التقيّد بوسيلة الرؤية البصرية وحدها في كل زمان، أم تحقيق اليقين بدخول الشهر بأي وسيلة معتبرة؟
وهل ينسحب هذا الحكم على جميع الشهور والمناسبات، أم أن له خصوصية تتعلق بالصيام والفطر وما يتصل بهما من أحكام جماعية؟
إن المتأمل في روح الشريعة يجد أن الإسلام لم يأتِ ليعسّر على الناس، وإنما جاء ليقيم التوازن بين النص والمصلحة، وبين الثابت والمتغير..ولهذا قال الله تعالى:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾،
وقال سبحانه: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾.
ومن القواعد الأصولية العظيمة:
“المشقة تجلب التيسير”،
و“الوسائل لها أحكام المقاصد”،
و“لا يُنكر تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان”.
وهنا تتجلّى القضية بوضوح ، فالرؤية في الزمن النبوي كانت الوسيلة الأقرب لعامة الناس ؛ لأن الأمة — كما وصفها النبي ﷺ — «أمة أمية لا تكتب ولا تحسب».
أمّا اليوم ؛ فقد تطورت علوم الفلك تطورًا هائلًا، وأصبحت الحسابات الفلكية تحدد ولادة الهلال، وموعد غروبه، وإمكان رؤيته أو استحالتها، بدقة علمية تكاد تبلغ حدّ القطع.
ولذلك ؛ ذهب عدد من العلماء والباحثين المعاصرين إلى أن المقصود الشرعي هو ثبوت دخول الشهر بيقين، لا التمسك الحرفي بوسيلة واحدة، خاصة إذا تغيّرت أحوال الناس وتبدلت أدوات المعرفة..بينما رأى آخرون أن النص تعبديٌّ محض، وأن الرؤية البصرية تبقى الأصل مهما تقدمت الوسائل.
وهذا الخلاف في حقيقته ليس صراعًا بين الدين والعلم، بل هو مساحة اجتهاد داخل إطار الشريعة نفسها، وهو ما يؤكد مرونة الإسلام وسعته.. فالدين الذي صمد أكثر من أربعة عشر قرنًا ونصف، وانتقل بين الصحارى والمدن، وبين البداوة والحضارة ؛ لا يمكن أن يكون دينًا جامدًا عند الوسائل، بل ثابتًا في المقاصد، مرنًا في التطبيقات.
وقد أحسن الإمام ابن القيم حين قال:
“إن الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها”.
ومن يتأمل التاريخ الإسلامي يدرك أن المسلمين لم يكونوا يومًا أعداء للعلم، بل كانوا روادًا في الفلك والحساب والرصد؛ حتى إن كثيرًا من المراصد الفلكية الكبرى قامت لخدمة القبلة والمواقيت والأهلة..فالعلم في الحضارة الإسلامية لم يكن خصمًا للدين، وإنما كان أحد خدامه.
ولعلّ من الحكمة هنا أن نفرّق بين “النص” و“أداة فهم النص”. فالنص ثابت، أما الوسائل فمتغيرة. وكما انتقل الناس في تحديد أوقات الصلاة من مراقبة الشمس والظل إلى الساعات الذكية والتطبيقات الرقمية، فإن الاستفادة من الحسابات الفلكية في تنظيم الشهور والمناسبات لا ينبغي أن تُصوَّر وكأنها خروج عن الدين، ما دام المقصد الشرعي محفوظًا.
وفي الأمثال السائرة يقال:
“الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها”،
ويقال أيضًا:
“الزمان يتغيّر، والعاقل من يفهم لغة عصره دون أن يبيع ثوابته”.
وقد عبّر الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو عن معنى قريب حين قال:
“القوانين التي لا تساير واقع الناس تفقد قدرتها على الحياة”.
بينما الإسلام — بخلاف كثير من الشرائع الوضعية — بقي حيًّا ؛ لأنه جمع بين ثبات الأصل ومرونة التطبيق.
ومن أعظم خصائص هذا الدين ؛ أنه جاء خاتمًا للأديان، مهيمنًا على ما سبقه، قال تعالى:
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
فلم يكن نسخة مكررة، بل شريعة تجمع بين الروح والعقل، وبين التعبد والمصلحة، وبين النص والاجتهاد.
ولهذا فإن تأصيل المناسبات الإسلامية لا ينبغي أن يتحول إلى باب تضييق وتشدد، ولا إلى مساحة انفلات وتسيّب، وإنما إلى فهم متزن يُعلي من قيمة النص، ويُبقي باب الاجتهاد مفتوحًا فيما جعل الله فيه سعة.
فالخلاف في الوسائل لا ينبغي أن يمزق وحدة الأمة، ما دام الجميع يبتغي الوصول إلى الحق ؛ لأن الدين في جوهره أوسع من أن يُختزل في وسيلة واحدة، وأعمق من أن يُحاصر في قراءة جامدة لا تراعي تغير الزمان والمعرفة.
ويبقى الإسلام — كما أراده الله — دين الوسطية والرحمة والاتزان؛ لا يصادم العقل الصحيح، ولا يهدم النص الصريح، وإنما يقود الإنسان إلى عبادة الله بعلمٍ ويقينٍ وطمأنينة.