النهار
بقلم -عبدالمحسن محمد الحارثي
في الرياضة ؛ ليست كل الفترات تقاس بما يُرفع فيها من كؤوس، بل بما يُعاد فيه تشكيل المعنى داخل النادي نفسه.
وهذا ما يجعل قصة النادي الأهلي السعودي ؛ أكثر من مجرد سجل نتائج، بل سردية كيانٍ عرف الغياب عن منصات البطولات المحلية لسنوات، ثم عاد ليقول كلمته بلغة مختلفة: لغة الذهب حين يتكرر، لا حين يُصادف.
بعد تتويجه بدوري يلو ؛ دخل الأهلي مرحلة لم تكن انطفاءً بقدر ما كانت “إعادة تموضع”.
فالأندية الكبيرة لا تفقد جوهرها بغياب الألقاب، بل تعيد ترتيب نفسها من الداخل قبل أن تعود إلى الخارج.
وهذا الفارق هو ما يميز بين نادٍ يتراجع، ونادٍ يتحوّل.
في تلك السنوات ؛ لم يكن الأهلي غائبًا عن المعنى، رغم غيابه عن البطولات المحلية الكبرى.
الجمهور بقي حاضرًا، والهوية لم تتبدد، والطموح ظل يتغذى على فكرة واحدة: أن العودة ليست احتمالًا بل مسارًا مؤجلًا.
وهنا تحديدًا ؛ تبدأ فلسفة الأندية العريقة: ليست المشكلة في التوقف المؤقت، بل في القدرة على تحويله إلى مرحلة إعداد عميقة.
يقول الفيلسوف نيتشه في جوهر القوة: “ما لا يقتلني يجعلني أقوى”، وهي مقولة حين تُقرأ رياضيًا تتحول إلى تفسير دقيق لحالة الأهلي: فريق لا يُقاس بلحظات تعثره، بل بكيفية تحويله إلى طاقة عودة.
ثم جاءت اللحظة التي لا تُقرأ كصدفة، بل كإشارة: بطولة النخبة للمرة الثانية على التوالي.
هنا لا نتحدث عن لقب فحسب، بل عن إعلان واضح بأن دورة الاستعادة بدأت تكتمل، وأن الفريق لا يعود فقط إلى المنصات، بل يعود بثبات المتكرر لا بمزاج اللحظة.
في فلسفة الرياضة يُقال: “الأبطال لا يُقاسون بما يحققونه مرة، بل بما يكررونه حين تتغير الظروف”.
والأهلي اليوم يختبر هذه الجملة عمليًا، لا نظريًا.
فالتتويج المتكرر ؛ ليس تفصيلًا، بل دليل على أن ما كان يُبنى في الظل بدأ يظهر في الضوء.
جماهير الأهلي بدورها ليست مجرد رقم في المدرجات، بل جزء من معادلة الصمود.
استمرار الحضور رغم غياب البطولات المحلية لفترة، هو في ذاته شهادة على أن العلاقة بين النادي وجمهوره ليست علاقة نتائج، بل علاقة هوية.
وفي المشهد الغربي، يبقى حضور نادي الاتحاد السعودي ؛ جزءًا من الصورة الكاملة ، ثنائية صنعت تاريخ الكرة السعودية، حيث لا يُفهم الأهلي بمعزل عن منافسه التاريخي، ولا يُقرأ الاتحاد دون ظله المقابل.
هذه العلاقة ؛ لم تكن صراعًا فقط، بل كانت محركًا دائمًا لتطور كل طرف في مواجهة الآخر.
يقال في أدبيات المنافسة: إن وجود خصم كبير ؛ هو ما يصنع نادٍ أكبر.
وهنا تتضح الصورة: الأهلي لم يكن يعيش فراغًا، بل كان يعيش سياقًا تنافسيًا أعاد تشكيله من الداخل حتى عاد أكثر صلابة.
والحقيقة أن الأهلي اليوم يبدو كجوادٍ أصيل في سباق طويل؛ قد يتباطأ، قد يبتعد عن المقدمة، لكنه لا ينسى طريقها.
وحين يستعيد إيقاعه ؛ لا يعود ليشارك فقط، بل ليعيد تعريف موقعه.
إن الغياب عن البطولات المحلية لم يكن نهاية فصل، بل كان إعادة كتابة للفصل نفسه.
أما بطولة النخبة الثانية على التوالي ؛ فهي ليست عنوانًا عابرًا، بل جملة كاملة تقول :
إن الأهلي لم يعد فقط إلى الذهب ، بل أصبح يتحدث بلغته مرتين!!
وأنا اتحاديّ الهوى والانتماء ؛ إلا أن قلمي لا يقف عند حدود المدرجات ولا ألوانها؛ لا يعرف شرقيةً ولا غربية، بل ينتمي للحقيقة وحدها، يكتب للكرة كما هي لا كما نحبها فقط، وينحاز للمنجز حيث يكون، ويقف مع الفكرة حين تتجلى ؛ لأن كرة القدم أوسع من ضيق التعصب، وأبقى من لحظة التشجيع، وأعلى من أن تُختزل في لون أو مدرج؛ أنا اتحادي الانتماء، لكن قلمي لا ينتمي إلا للحقيقة… لا للمدرج!!