النهار
بقلم- د.مها ياسر
في بيئة العمل، قد نسمع عبارات تتكرر بشكل لافت: “أنا حاسس إن في حد معطّلني”
“مش طبيعي اللي بيحصل… أكيد في عين أو حسد”
هذه العبارات لم تعد مجرد مزاح عابر، بل تعكس نمطًا من التفكير يظهر غالبًا في لحظات الضغط أو التعثر، عندما تختلط التحديات المهنية بالمشاعر الشخصية.
لكن السؤال الأهم:
هل ما يحدث فعلًا خارج عن السيطرة… أم أن هناك تفسيرًا أقرب وأكثر واقعية؟
⸻
الحسد والعين… بين الإيمان والتفسير
في الإطار الديني، لا يمكن إنكار أن الحسد والعين لهما أصل ثابت، وقد وردت نصوص تؤكد ذلك، منها الحديث النبوي:
“العين حق”
وبالتالي، فالإيمان بوجود الحسد ليس خرافة، بل جزء من منظومة اعتقاد معتبرة.
لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول هذا الإيمان إلى تفسير شامل لكل تعثر مهني أو إخفاق عملي.
⸻
عندما لا نجد تفسيرًا… العقل يختار الأسهل
في الواقع العملي، يمر أي إنسان بفترات:
* ضعف في الأداء
* تعطّل في المشروعات
* فقدان للحافز أو التركيز
وعندما لا يكون السبب واضحًا، يبحث العقل عن إجابة سريعة ومريحة.
هنا يوضح Sigmund Freud أن الإنسان قد يميل إلى إسقاط ما لا يستطيع تفسيره على عوامل خارجية، كآلية دفاع نفسي تخفف من شعور القلق أو التقصير.
وبشكل أعمق، يشير Carl Jung إلى أن: “ما لا نواجهه في داخلنا، قد يظهر لنا في الخارج وكأنه قدر.”
أي أن بعض ما نعتقده “تعطيلًا خارجيًا”، قد يكون في حقيقته:
* صراعًا داخليًا
* أو خوفًا غير واعٍ
* أو ترددًا في اتخاذ القرار
⸻
ماذا يقول العلم؟ (وليس السحر فقط)
الدراسات في علم النفس والسلوك التنظيمي تشير إلى أن كثيرًا من التعثرات المهنية ترتبط بـ:
* ضغوط العمل المتراكمة
* بيئة غير داعمة أو تنافس سلبي
* احتراق وظيفي (Burnout)
* أو ضعف في مهارات الإدارة أو التخطيط
كما يُعرف في علم النفس التنظيمي مفهوم مهم يسمى: “مركز التحكم الخارجي” (External Locus of Control)
وهو اعتقاد أن: ما يحدث لنا سببه عوامل خارجية لا نتحكم بها
في المقابل، يرتبط النجاح المهني غالبًا بما يُعرف بـ:
“مركز التحكم الداخلي” (Internal Locus of Control)
حيث يرى الفرد أنه قادر على التأثير في نتائجه من خلال أفعاله.
وهنا تظهر المشكلة بوضوح: عندما يتحول تفسير “بيعملولي أعمال” إلى نمط تفكير دائم، فإنه يعزز الإحساس بالعجز بدلًا من تمكين الفرد.
⸻
بين الحقيقة… والشماعة الجاهزة
لنكن واقعيين: نعم، قد يشعر الإنسان أحيانًا بتأثير سلبي من محيطه، سواء كان نفسيًا أو ناتجًا عن طاقة مشحونة بالتوتر أو الغيرة.
لكن في أحيان أخرى، يصبح “العمل” مجرد شماعة مريحة نعلّق عليها:
* أخطاءنا المهنية
* ضعف التخطيط
* أو حتى قرارات لم نُحسن إدارتها
وبصياغة أبسط: ليس كل تعثر نتيجة حسد… وأحيانًا يكون مجرد احتياج لإعادة ترتيب الأولويات.
⸻
نماذج من بيئة العمل
* موظف يعاني من ضعف الالتزام، ويُرجع ذلك إلى “طاقة سلبية”
* مشروع يفشل نتيجة سوء التخطيط، فيُفسَّر بأنه “عين أصابته”
* موظف ناجح يبدأ في الشك بمن حوله، فيتراجع أداؤه بسبب القلق وليس الحسد
هذه النماذج لا تنفي المعتقد، لكنها تؤكد أهمية التمييز بين الشعور والتفسير.
⸻
كيف نحمي أنفسنا… دون مبالغة أو إنكار؟
روحيًا:
* الالتزام بالأذكار والدعاء
* تعزيز الشعور بالطمأنينة بدلًا من الخوف
نفسيًا:
* مراقبة الأفكار السلبية وعدم تضخيمها
* تجنب عقلية “الضحية”
مهنيًا:
* تقييم الأداء بموضوعية
* تطوير المهارات باستمرار
* طلب تغذية راجعة واضحة
⸻
كمدير… كيف تتعامل مع هذا التفكير؟
الدور القيادي هنا يتطلب توازنًا:
* احترام المعتقدات دون السخرية منها
* عدم السماح باستخدامها كمبرر لضعف الأداء
* إعادة توجيه النقاش نحو الحلول الواقعية
مثلًا: “قد تكون هناك عوامل خارجية، لكن دعنا نركز على ما يمكننا تحسينه والسيطرة عليه.”
⸻
الخلاصة
الإيمان بالحسد والعين جزء من ثقافة ومعتقدات معتبرة، لكن تحويله إلى تفسير شامل لكل ما يحدث في العمل قد يحدّ من قدرتنا على الفهم والتطور.
التوازن الحقيقي يكمن في: أن نؤمن… دون أن نتخلى عن مسؤوليتنا.
وفي النهاية، قد لا يكون ما نواجهه “عملًا” بقدر ما هو
دعوة لإعادة النظر… في طريقة تفكيرنا، وأسلوب إدارتنا، وقراراتنا اليومية.