النهار
بقلم ـ عبدالمحسن محمد الحارثي
ليست المشكلة في الحروب وحدها ، بل في ما يتسرّب إليها من أدواتٍ تُفقدها حتى منطقها القاسي.
فالحرب – على بشاعتها – كانت تُعرف بحدودٍ ما، وبمواجهةٍ ما، وبنهايةٍ ما.
أما حين تُزرع الألغام ؛ فإننا لا نكون أمام حرب، بل أمام زمنٍ مُفخّخ، يمتدّ بلا إعلان، وينتهي بلا اتفاق.
في البرّ ؛ تتحول الأرض – التي خُلقت سكنًا – إلى ذاكرة غدر..تُزرع الألغام لتمنع العدو، لكنها في الحقيقة تمنع الحياة.
لا جندي يطمئن، ولا طفل يأمن، ولا مزارع يعرف إن كانت خطوته القادمة رزقًا أم موتًا.
وقد قال إروين رومل: “أخطر ما في الميدان ما لا تراه”؛ وهذه ليست مجرد حكمة عسكرية، بل إدانة كاملة لفكرة السلاح الذي يختبئ لينتظر من لا شأن له بالحرب.
ويكفي أن نتأمل المفارقة: جيوش ترحل، واتفاقيات تُوقّع، ثم تبقى الألغام وحدها… كأنها الحرب التي رفضت أن تنتهي.
أما في البحر ، فالأمر أشد فداحة ؛ لأن البحر ليس ملكًا لأحد، بل ممرٌّ للجميع. من يلغّم البحر ؛ لا يستهدف خصمًا، بل يغامر بنسف نظامٍ كامل من الثقة الدولية.
وقد لخّص ألفرد ثاير ماهان المعادلة بقوله: “البحر مفتاح التجارة العالمية”؛ فإذا أصبح هذا المفتاح مفخخًا، فمن الذي يجرؤ على فتح الأبواب؟
إن تلغيم البحر ليس تكتيكًا ، بل إعلانًا غير مباشر بأن الفوضى أولى من القانون، وأن الرعب أسرع من النظام.
ثم نصل إلى السماء … آخر ما تبقّى للإنسان من فضاءٍ يثق به.
السماء التي تُقلّ المسافرين، وتربط القارات، وتختصر المسافات ؛ قد تتحول – في أسوأ التصورات – إلى شبكة مصائد.
وهنا لا نتحدث عن تصعيد عسكري، بل عن انهيار فكرة الطيران نفسها.
يقول تشاك ييغر: “الطيران مخاطرة محسوبة”؛ لكن أي حسابٍ يبقى إذا أصبح الخطر عشوائيًا؟
وأي ثقةٍ يمكن أن تنجو إذا صار المجال الجوي فخًا لا يُرى؟
إن “الألغام الجوية” – حتى بوصفها احتمالًا – ليست مجرد سلاح جديد، بل إعلانٌ عن مرحلة تفقد فيها الحرب عقلها الأخير ؛ لأن السماء، إن فُخّخت، فلن يكون هناك فرق بين جبهةٍ وخطّ سير، ولا بين معركةٍ ورحلة.
وهنا يجب أن يُقال بوضوح:
ليس كل ما يمكن فعله في الحرب ؛ يجب أن يُفعل.
وليست كل وسيلةٍ مشروعةٍ عسكريًا ؛ مقبولةٌ إنسانيًا.
إن الخطأ الأكبر في زمننا ؛ ليس في اختراع أدوات القتل، بل في تبريرها بعد ذلك بلغةٍ باردة، تُسمي العبث “تكتيكًا”، والفوضى “خيارًا استراتيجيًا”.
وهنا تكمن الكارثة: حين يُزيَّن الانفلات بالعقلانية، ويُمنح الخراب صفة الضرورة.
إن العالم اليوم لا يحتاج فقط إلى اتفاقيات تمنع الألغام، بل إلى وعيٍ يرفض منطقها من الأساس ؛ لأن ما يُزرع في الأرض، أو يُلقى في البحر، أو يُتخيّل في السماء ؛ لا ينفجر في الجغرافيا فقط، بل في الضمير الإنساني.
فحين يُفخّخ الإنسان أرضه، ويُلغّم بحره، ويُهدد سماءه ؛ فهو لا يحاصر عدوه، بل يحاصر نفسه داخل عالمٍ لا يمكن العيش فيه.
وتلك … ليست حربًا تُخاض، بل نهايةٌ تُصنع!!